ظلت صورة الخلافة لدى المسلمين مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالدولة العثمانية لزمن طويل. ولما انهزمت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، انقسم العلماء والمفكرين الأتراك إلى فريقين. فرفض بعضهم، كشيخ الإسلام مصطفى صبري، تجريد الخليفة من سلطته السياسية ودافع عن السلطنة العثمانية، بينما انتصر آخرون، كمحمد سيد جلبي زاده، لحكومة الأناضول الوطنية بقيادة مصطفى كمال في صراعها مع السلطان وحلفائه، وأيدوا موقفها من الفصل بين السلطنة والخلافة. والمدقق في أفكار هذين العالمِيْن عن الخلافة يدرك مدى تأثرهما بضغوط واقع ما بعد الحرب؛ إذ حرص أحدهما على مقاومتها بالتمسك بأصول نظام الحكم الإسلامي، وحرص الآخر على الانحناء لهذه الضغوط لتحقيق مقاصد بدت له أسمى من صورة الخلافة؛ وهي الحفاظ على تطبيق الشريعة الإسلامية في الجمهورية التركية الوليدة.
وقد تولى مصطفى صبري منصب شيخ الإسلام مرتين بعد الحرب، وناب عن رئيس الوزراء وقت غيابه لحضور مفاوضات السلام. وكان من أبرز العلماء الأتراك الرافضين فصل الخلافة عن السلطنة، والمدافعين عن الخلافة في مواجهة الكماليين[1]. فقد كانت الخلافة بالنسبة له سلطة تنفيذية تتولى بموجبها أية حكومة مسلمة مهمة تطبيق شريعة الإسلام نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ثم لا يجوز أن تصبح الخلافة مجرد لقب شَرَفيّ. فللخلافة ركنان لا تقوم إلا بهما؛ هما: السلطة السياسية، والنيابة الروحية عن النبي. ومن ثم اعتبر حكومة الجمهورية التركية سلطةً بلا شرعية، وقرارها فصل الخلافة عن السلطنة عام 1922 غير شرعي، والخليفةَ الجديدَ عبدَ المجيد الثاني صاحبَ شرعيةٍ لكن بلا سلطة سياسية، ومن ثم لم تتحقق فيه شروط الخلافة. ولضمان تحقيق وظيفة الخليفة السياسية دعا مصطفى صبري حكومات كل الدول الإسلامية للقيام بمهام الخلافة، حتى إن أدى ذلك إلى تعدد الخلفاء، فهذا التعدد مقبول شرعًا عنده ما لم يؤِّد إلى تنازع المسلمين وانقسامهم وضعفهم. ولمنع هذا التنازع والمحافظة على وحدة الأمة الإسلامية، اقترح مصطفى صبري إقامة نظام خلافة هرمي بحيث يقبل جميع الخلفاء سلطة خليفة أعلى[2].
وبالطبع لم يُرقْ موقف مصطفى صبري للحكومة التركية، فوضعته على قائمة الاعتقال؛ مما اضطره للفرار من البلاد والهرب إلى رومانيا ثم اليونان ثم الحجاز. لكنه استقر في مصر التي كانت تربتها خصبة للتعبير عن آرائه المعادية بشدة للكماليين. فقبيل صدور قرار الجمعية الوطنية التركية بالفصل بين الخلافة والسلطنة، كتب مصطفى صبري في صحيفتي المقطم والأهرام مؤكدًا نيةَ الحكومة التركية فصلَ الخلافة عن الحكم، وفصل الدين عن السياسة بصفة عامة، ليس لرغبتها في إصلاح إدارة البلاد وتحسينها، وإنما لأنها تخلت عن الدين. وأعاد تأكيد هذه القناعة بعد عام من تعيين عبد المجيد الثاني خليفةً جديدًا، حين شن الكماليون عليه حملة نقد واستهزاء وإهانة دون أي استفزاز من جانبه، ودون أن يحرك العالم الإسلامي ساكنًا. ولم ير مصطفى صبري في فصل الدين عن السياسة أية مصلحة دنيوية أو روحية، بل محاولة لانتزاع الحكم من آل عثمان وإعطائه لمصطفى كمال، وإلغاء مؤسسة الخلافة تدريجيًا؛ لتقويض النظام الإسلامي وإقامة نظام علماني بدلًا منه. ودلل مصطفى صبري على ذلك بقرار إلغاء المحاكم الشرعية، وبأقوال أتاتورك التي عبرت عن قناعته بأن فكرة الخلافة بوصفها سلطة سياسية، ليست فكرة إسلامية أصيلة؛ لأن النبي في رأيه لم يأمر أتباعه بإقامة حكم سياسي، وإنما أمرهم فقط بنشر رسالة الإسلام ودعوة الناس للدين الجديد[3].
لذلك، انتقد مصطفى صبري الشيخ يوسف الدجوي وغيره من علماء مصر الذين بهرتهم انتصارات الجيش التركي الوطني بزعامة مصطفى كمال على قوات الاحتلال، فحاولوا تبرير التغييرات السياسية والاجتماعية التي فرضها الكماليون بالاستدلال بأدلة شرعية، فلما فشلوا، حاولوا إعادة تفسير الدينِ ذاتهِ ليُناسب رؤية الكماليين. لكن الدجوي وكثيرًا غيره من العلماء غيروا موقفهم من مصطفى كمال ونظام حكمه بعد قرار إلغاء الخلافة. فبينما رأى الدجوي مصطفى كمال وأصحابه قبل القرار أبطالًا ومجاهدين شجعان يدافعون عن الدين والوطن ويسعون لبناء مجتمع تقدمي مزدهر، واعتبر السلطان وأعوانه لصوصًا وخونة[4]، عاد الدجوي وانتقد مصطفى كمال بعد القرار واعتبر الأنظمة الجديدة في الجمهورية التركية بعيدة عن الإسلام.[5] كذلك تغير موقف الشيخ عبد الحميد بن باديس، مؤسس جمعية العلماء المسلمين في الجزائر. فبعد أن أبدى إعجابه بالحركة الوطنية التركية بزعامة مصطفى كمال وانتصاراتها على الاحتلال الأجنبي، عاد وانتقدها لمَّا ألغت الخلافة[6].
وفي مقابل مواقف العلماء الأتراك المؤيدة للخلافة عامة، والخلافة العثمانية خاصة، أيد محمد سيد جلبي زاده قرارات الحكومة التركية الجديدة بما فيها إلغاء الخلافة، قبل أن تكشف الحكومة عن وجهها العلماني الصريح وتنكِّل بمعارضيها وتمضي لتغيير وجه الحياة، وليس السياسة فقط، في الجمهورية الجديدة. وكان جلبي زاده أستاذًا لأصول الفقه في مدرسة الحقوق ومحاميًا في استانبول، ونائبًا منتخبًا في البرلمان العثماني بعد إعادة العمل بالدستور عام 1908، ثم في البرلمان التركي بعد إنشاء الجمهورية، ووزيرًا للعدل في حكومات تركية عدة. وحين نوقش مشروع قرار إلغاء الخلافة في البرلمان ألقى خطبة مطولة عن طبيعة الخلافة وخصائصها، واعتبر إلغاءها غيرَ مخالف للشرع، رغم دفاعه سابقًا عن منصب الخليفة بعد تجريده من السلطة السياسية[7].
وقد بنى جلبي زاده موقفه على أساسين: أولهما التماثل بين مؤسستي الخلافة قديمًا والحكومة حديثًا، فكلاهما مؤسسة سياسية غير دينية تتعلق بالشأن العام؛ ومن ثم تدخل أحكام الخلافة في أبواب الفروع وليس الأصول. فالخلافة غير مذكورة في القرآن الذي لم ينصّ على شروطها، أو كيفية تعيين الخليفة، وإنما نصَّ على مبادئ الحكم الصحيح، لا سيما الشورى وطاعة ولاة الأمر، فهما واجبان دينيان يهدفان لمنع الفوضى، ولإشراك الناس في الحكم، كما هو حال الحكومات الدستورية ذات التمثيل النيابي في العصر الحديث. والنبي عليه الصلاة والسلام لم يعين خليفة من بعده بل ترك الأمر للمسلمين. وما ورد عنه في شأن الخلافة قليل ولا يكفي لبيان شروط تعيين الخليفة ومسؤولياته. فاستخلافه أبا بكر في إمامة الصلاة في مرض وفاته –صلى الله عليه وسلم– تعني أن وظيفة الخليفة الحقيقية هي الإمامة، وسلطته روحية تتمثل في الإشراف على مَنْ دوُنه مِن الأئمة. فالخليفة هو الإمام الأكبر الذي تتحقق في شخصه وحدة الأمة. وشكك جلبي زاده في شرعية خلافة العثمانيين لعدم تحقق شرط القرشية فيهم. واستشهد بتاريخ الخلافة لبيان انفصال السلطتين السياسية والروحية، لا سيما في دولتي السلاجقة والمماليك. ثم اجتمعت السلطتان في زمن السلاطين العثمانيين. لكن هؤلاء السلاطين لم يمارسوا سلطتهم الروحية على المسلمين من رعايا الدول الأخرى؛ لأن حكام تلك الدول كانوا يخشون أن يستغل الخلفاء العثمانيون هذه السلطة لمد سلطة آل عثمان السياسية خارج حدود دولتهم[8].
أما الأساس الثاني لموقف جلبي زاده من الخلافة فهو التفريق بين مفهومي الأمة والقومية. فالأمة عنده تربط بين أفراد ينتمون لدين واحد وإن فرقتهم قيم الثقافة والنظم القانونية والسياسية والاقتصادية، ومن ثم فإن الأمة كيان دولي يتكون من عدة قوميات. أما القومية فتربط بين أفراد يجمعهم الدين واللغة ويخضعون لنظام قانوني واقتصادي واحد، ويشتركون في ذات القيم الجمالية. وقارن جلبي زاده بين أوروبا التي تمكنت شعوبها من التفريق بين المفهومين فتقدمت اجتماعيًا في نظره، والشرق الذي ما زالته شعوبه تخلط بينهما حين تُسأل عن هويتها. لكن التطور الاجتماعي في الدولة العثمانية أدى لانفصال المفهومين، خاصة بعد أن انهارت الإمبراطوريات متعددة القوميات في نهاية الحرب العالمية الأولى وحلت محلها دول قومية ذات سيادة تمثل مصالح القوميات وليس الحكام، مثل السلطان العثماني الذي اعتبره جلبي زاده مغتصبًا لحقوق الشعب، ومتعاونًا مع المحتل بعد الحرب، ومجرمًا في حق بلده. لذلك نهض الشعب التركي وانتزع منه السيادة ومارسها من خلال الجمعية الوطنية الكبرى[9].
وقد ساعد موقف جلبي زاده الحكومة التركية أيَّما مساعدة في التغلب على معارضي قرار الجمعية الوطنية بإلغاء الخلافة عام 1924. لكن الحكومة عارضت بشدة آراءه القانونية المناصرة للشريعة. فبعد مشاركته في وضع دستور الجمهورية التركية الأول، أصرَّ جلبي زاده على إعداد مسودة القانون المدني استنادًا للقوانين العثمانية القائمة على الشريعة الإسلامية، خاصة قانون الأسرة الصادر عام 1917. لكن قوة العلمانيين في الحكومة كانت في تصاعد، فأجبروه على الاستقالة من مناصبه السياسية، وعاد إلى التدريس في الجامعة إلى أن توفي بعد عام واحد من إلغاء الخلافة[10].
وهكذا كانت ضغوط الانسلاخ من الهوية الإسلامية لصالح الهوية الوطنية والعلمانية والتغريب في تركيا بعد الحرب العالمية الأولى أقوى من جهود مقاومتها أو الالتفاف عليها، ومن ثم لم تفلح محاولات أنصار السلطنة العثمانية في الحفاظ على الخلافة، ولم يتمكن دعاة تطبيق الشريعة في الجمهورية التركية من تحقيق هذا الهدف، وأُخرجت تركيا من فلك الأمة الإسلامية لعدة عقود من الزمن.
* جزء من دراسة نشرت في حولية أمتي في العالم، العدد 19، 2024، ص 149-176.
** أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية في الإمارات وجامعة رودس (جنوب أفريقيا).
[1] Ahmet Şeyhun, Islamist thinkers in the late Ottoman Empire and early Turkish Republic, (Leiden: Brill, 2014), pp. 44-45.
[2] Mustafa Sabri Efendi, Hilafetin İlgasının Arka Planı, (in): Oktay Yılmaz (editor), (Istanbul: İnsan Yayınları, 2007), quoted in: Ahmet Şeyhun, Islamist thinkers in the late Ottoman Empire and early Turkish Republic, op. cit., p. 48.
[3] المصدر السابق، ص 47-52.
[4] المصدر السابق، ص 48-49.
[5] يوسف الدجوي، الرد على كتاب الشيخ علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم"، (القاهرة: مطبعة السماح، د.ت.).
[6] أحمد صاري، ابن باديس ومسألة إلغاء الخلافة، مجلة الآداب والحضارة الإسلامية (الجزائر)، العدد 1، أبريل 2002، ص 141-159.
[7] Ahmet Şeyhun, Islamist Thinkers in the late Ottoman Empire and early Turkish Republic, op. cit., p. 137.
[8] Mehmed Seyyid Çelebizâde, Hilafetin Mahiyet-i Şeriyesi [The legal Character of Caliphate], quoted in: Ahmet Şeyhun, Islamist thinkers in the late Ottoman Empire and early Turkish Republic, op. cit., pp. 138-146.
[9] المصدر السابق، ص 144-145.
[10] Ahmet Şeyhun, Islamist thinkers in the late Ottoman Empire and early Turkish Republic, op. cit., p. 137.