طباعة الصفحة

مبادئ القانون الدولي العام في الإسلام (2-2)*

By لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الجليل الدكتور / محمد عبد الله دراز** أغسطس 13, 2026 19 0

٤ – قواعد الحرب:

هكذا يوصينا الإسلام بالمصابرة ما بقي في قوس الصبر منزع ولا يخولنا حق الالتجاء إلى القتال، إلا حيث يفرضه علينا العدو فرضًا، وحيث يكون القعود معناه الإلقاء باليد إلى التهلكة.

لكنه -حتى في هذه الحال المشروعة- لا يبيح لأحد أن يخوض غمار الحرب منقادًا بسورة الغضب، أسيرًا لغريزة الانتقام، دون تعقل ولا عاطفة إنسانية، بل يوجب أن يسير فيها الجيشان، وفق قانون معين يضبط هذه الانفعالات وينظمها.

فلنعرض الآن بعض تلك التعاليم التي أراد الإسلام -لا أقول أن يمحو بها إلى الأبد تلك الكارثة العالمية، فذلك ما لا يمكن تحقيقه ما بقي على الأرض شريرون لا يقمع نشاطهم الإجرامي إلا بالقوة- ولكن أراد الإسلام بها تضييق مجال الحروب، وتخفيف عواقبها الوخيمة.

(أ) الأهداف الحربية:

رأينا كيف أن القرآن حين أباح الحرب الدفاعية المشروعة قد ميز تمييزًا واضحًا بين المحاربين وغير المحاربين، فأمر بألا يُقاتَل إلا المقاتِل، ولا بد أن نفهم من كلمة المقاتلين: أنهم الذين يحضرون ميدان القتال بالفعل ويستخدمون فيه قوتهم العدوانية.

ولقد استرشد التشريع الإسلامي بتعاليم النبوة في هذا الشأن فحدد هذا الشرط على وجه يزيل كل لبس، ويكفل إبعاد شرور الحرب عن الضعفاء، ويجنب المدنيين كل ويلاتها، فالأطفال والشيوخ والنساء والمرضى والمعتوهون، بل حتى الفلاحون في حرثهم، والرهبان في معابدهم[1] كل أولئك معصومون بحصانة القانون من أخطار الحروب.

والذي يلفت نظرنا بوجه خاص في هذا المقام هو حرص الإسلام، لا على حماية هؤلاء الضعفاء من الأضرار المادية فحسب، بل على حمايتهم أيضًا من التعرض لكل ألم نفسي، يبدو لنا ذلك جليًا بتأمل المثال التالي الذي ترويه لنا الآثار عن واقعة خيبر، ذلك أنه حين انتهى حصار هذه المدينة بنصر المسلمين، وقعت امرأتان يهوديتان في أسر بلال، فمضى بهما بلال إلى مركز القيادة، مارًا بميدان المعركة حيث سقطت جثث القتلى من اليهود، وكان لهذا المشهد أثره العميق في نفس إحدى الأسيرتين، فصاحت وأجهشت بالبكاء، وما إن علم النبي بسلوك بلال هذا، حتى استنكر فعلته، ووجه إليه اللوم العنيف قائلًا له: "هل نُزعت منك الرحمة يا بلال حين تمر بامرأتين على قتلى رجالها؟".

وينساق بنا الحديث في هذا المعنى إلى التنويه بالقاعدة الإسلامية المتعلقة بأسرى الحرب، والتي تحرم الفصل بين المرأة الأسيرة وأبنائها، وتوجب الجمع بينهم في مكان واحد، فيالها من عناية رحيمة حتى في معمعة البأس.

(ب) النهي عن حبس الطعام عن المدن:

ويظهر أن الإسلام لا يستحسن - بل لا يبيح - فرض حصار يرمى إلى حبس الطعام عن مدن الأعداء، أو أن هذا على الأقل هو ما تدل عليه حادثة ثمامة (أحد أشراف بنى حنيفة) فقد صمم هذا الرجل وهو في حداثة إسلامه، وأقسم مندفعًا بحرارة إيمانه الغض على منع تموين مكة بالحبوب التي تنتجها بلاده (اليمامة) ما لم ينهه النبي عن ذلك نهيًا صريحًا، فلما عانى أهل مكة ما عانوا من بأس هذا الحصار وجهوا إلى النبي رسالة موجزة يقولون فيها: "إنك تأمر بصلة الرحم، ولكنك قطعت أرحامنا فقتلت الآباء وجوعت الأبناء" فبعث النبي على الفور إلى ثمامة يأمره برفع هذا الحظر، وبأن يدع أهل مكة يتمتعون بمواردهم العادية.

(جـ) تقييد مرمى الأسلحة:

ومن ثمرات القاعدة التي توجب حصر العمليات الحربية في الأهداف العسكرية النهي عن استعمال الأسلحة البعيدة المدى، وخاصة كل وسيلة عامة للتدمير كالتغريق والتحريق.

(د) حظر وسائل الانتقام الوحشية:

يستنكر القرآن في غير موضع تلك العادة الهمجية التي يشيع استعمالها في أثناء الحروب، ألا وهى تعذيب الأعداء ومعاملتهم بالقسوة والخشونة، وإنه ليصل في استنكار هذه الفعلة إلى حد أن يعد تعذيب العدو أشد جرمًا من القتل: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (٢: ١٩١) ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (٢: ٢١٧).

ثم إننا نجد تعاليم الرسول التي كان يوجهها إلى قواد حملاته الحربية زاخرة بنصائحه لهم على التزام النظام وحسن السلوك في قتالهم، ومن بين هذه النصائح تحذيره المتكرر لهم من السلب والنهب والقتل غدرًا، والتمثيل بجثث القتلى، نعم إنه ذات مرة اشتد غضبه من أهل مكة لتمثيلهم بجثة عمه حمزة الذي استشهد في غزوة أُحد، وحمله ذلك الغضب على التفكير في مضاعفة الانتقام منهم في واقعة مقبلة، ولكن القرآن لم يلبث أن نفره من هذه المحاولة، محذرًا إياه من مجاوزة الحد في الانتقام، مرغبًا له في الصبر والصفح (١٦: ١٢٦، ١٢٧) فلم يسع النبي عليه الصلاة والسلام إلا العدول عن هذه الفكرة، واختار ما هو أليق بخلقه الكريم، فشمل مجرمي الحرب هؤلاء بكرمه وصفحه.

ولقد بلغت به دقة تطبيقه لحكم القرآن الذي يأمر بالعفو عن الأعداء متى انتهوا عن عدوانهم أن نهى عن تعقب من يفر منهم من الحرب، فما بالك بمن يلقي سلاحه ويتقدم إلينا في صراحة بعبارات السلام والاستسلام؟ إن القرآن ليحرم علينا إيذاءه تحريمًا قاطعًا حتى لو كان ذلك بحجة الشك في صدق إيمانه (٤: ٩٤).

تلك كلها أدلة ملموسة على أن الإسلام لا يرمى قط إلى القضاء على أعدائه، ولا إلى الاستيلاء عليهم بالقهر، ولكن إلى تجنب خطرهم، فمتى تحقق هذا الغرض لم يبق للصراع في نظره مبرر.

(هـ) الهدنة الإجبارية في الأشهر الحرم:

وهذا أسلوب آخر من أساليب تخفيف ويلات الحرب.

فنحن نعرف مدى ما تستنفده الحروب الطويلة الأمد من جهود الشعوب وقواتهم، وكيف أنها تصيب نشاطهم التعميري بالجمود والشلل، وعلاجًا لهذه الحال سَنَّ القرآن، أو بالأحرى أحيا تلك السنة القديمة التي توجب عدم استمرار الحروب حولًا بأكمله، فتقرر في أثنائه هدنة جبرية تعود فيها العلاقات السلمية، وتأخذ الحياة مجراها الطبيعي بين الأمم في مدة أقلها أربعة أشهر، هذا الوضع الذي تُكف به أعمال الحرب جبرًا خلال ثلث العام لا تنحصر مزيته في إشعار المتحاربين بلذة السلم في هذه المدة فحسب، بل إنه بما يتركه من الأثر في نفوس الجماهير يثبطهم عن الشر، ويغريهم بإطالة أمد الصلح، وتحويله من هدنة مؤقتة إلى هدنة حقيقية أو إلى سلم دائم.

(و) التسلح:

من أنواع العلاج الواقي الذي يوصى به ساسة الغرب في العصور الحديثة منعًا لنشوب الصراع بين الدول، مشروع منع التسلح أو تقييده. غير أن هذا العلاج لم يتخذ قط حتى الآن صفة القانون الدولي ولم تطبق مبادئه تطبيقًا عادلًا على الجميع وإنما كان يفرض على المغلوب وحده، بل يمكن القول بأن تطبيق هذا المبدأ الذي يتعارض وغريزة البقاء سيظل دائمًا حلمًا مستحيل التحقق.

أما القرآن فإن نظرته الواقعية النفاذة جعلته على العكس من ذلك، يحضنا على أن نعد للطاغين كل ما استطعنا من قوة، على أن تلك النظرة الواقعية إلى الوسائل التي يجب اتخاذها لم تكن لتحول دون نظرته المثالية إلى الغايات العليا التي يهدف إليها من وراء هذا الاستعداد الحربي، وهى غاية تختلف كل الاختلاف عن الغايات التي يسعى إليها الغزاة الطامحون، فالمسألة في نظر القرآن ليست مسألة إعداد للهجوم على الأعداء، بل للتحصن من شرهم، وإنذارهم بالقوة الباطشة التي تنتظرهم إذا لم يقفوا عند حدهم (٨: ٦٠).

ها هنا يكمن أنجع علاج في نظرنا لآلام الإنسانية الحاضرة، فليس الشأن في أن نقلل من مقادير عتادنا الحربي أو نغير من طبيعته وإنما الأمر في أن نعدل أسلوبنا الفكري من أساسه، علينا أن ننظر إلى الحياة نظرة جديدة تخضع فيها المادة للروح، وتسمو فيها المعنويات على الجثمانيات، وكل حل ينقصه هذا العنصر، إنما هو حل سطحي واهٍ لا بقاء له.

 

٥ – العلاقات السياسية:

رأينا في الأسطر القليلة السابقة كيف نظم الإسلام حالة الحرب. فلننظر الآن كيف نظم علائق السلم، وأول ما يعنينا من ذلك طريقة معاملته لمبعوثي أعدائه، وحاملي رسائلهم، وممثليهم السياسيين، وهي معاملة يحق لنا أن نقول فيها أنها سديدة مستقيمة، فالإسلام فوق ما يكفله لهم من صيانة وأمن على الأرواح[2] يمنحهم نوعًا من الحصانة الاجتماعية التي تخولهم حرية العودة إلى أوطانهم متى شاءوا، ولا يدع سبيلًا إلى حجزهم في بلادنا بحجة أنهم من قوم عدو لنا.

يلي ذلك طريقته في الاستماع لهؤلاء المفاوضين وحسن استعداده للتفاهم والتعاقد معهم، فالقرآن يحض الرسول على قبول مبدأ الصلح متى وجد من العدو ميلًا إليه ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (٨: ٦١).

أما شرائط الصلح وطرائقه، فقد رأينا بصدد هدنة الحديبية، كيف أن روح المسالمة التي تعمر قلب رسول الإسلام، قد جعلته يضحي بكثير من التفاصيل المتعلقة بألقابه الأدبية، وبالسمعة الحربية لجيشه، وببعض الحقوق الفردية لأتباعه، على أنه ليس معنى ذلك أنه يوجب قبول كل اقتراح من جانب الأعداء، مهما كان شاذًا، أو ضارًا بحقوق الأمة والأجيال المقبلة، فقد رأينا هذا الرسول الرحيم نفسه، حين عرض عليه مسيلمة الكذاب تقسيم «الأرض» بينه وبينه يرفض ذلك العرض رفضًا صارمًا، ويجيبه بتلك الجملة الحكمية التي يقتبسها من القرآن: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (٢١: ١٠٥).

فإذا نحن درسنا الوثائق التي تركتها لنا السير عن العلاقات السياسية النبوية، استطعنا أن نتبين فيها أنواعًا مختلفة من المواثيق:

(أ) إعلان الأمن والحماية:

لعل أبسط العقود السياسية هو التصريح الذي يصدر من جانب واحد، ولا يُلزم إلا الطرف الذي أصدره، كإعلان دولة ما: أنها تلتزم الأمن والحماية لدولة أخرى. وإننا لنجد من هذا النوع مثالًا واضحًا في ذلك العهد الذي أعطاه النبي لأهل سوريا ومن معهم في أثناء غزوة تبوك، وضمن لهم فيه حرية انتقالهم، وأمن قوافلهم البرية والبحرية، وحرية استعمالهم للطرق ومجاري المياه، على شريطة واحدة، وهي ألا يثيروا على المسلمين شغبا.

(ب) ميثاق عدم الاعتداء من الجانبين:

لكن المعاهدة بالمعنى الصحيح تتطلب اتفاقًا وتبادلًا للمنافع يقبله طرفا العقد جميعًا. وإن أقل ما يتحقق فيه هذا النوع من العهود، هو التعاقد الذي لا يتضمن إلا التزامات سلبية تنحصر في امتناع كلا الطرفين عن كل فعل ضارّ بالآخر. وقد نقل لنا المؤرخون أمثلة لمواثيق من هذا النوع عقدها النبي والتزم فيها الطرفان -إما لمدة غير محصورة، وإما إلى أجل معلوم- ألا يهاجم أحدهما الآخر، ولا يحالف عدوًا له، ولا يساعد معتديًا عليه. فمن هذا القبيل ميثاقه إلى أجل غير مسمى مع بني ضمرة في السنة الثانية من الهجرة، ومنه أيضًا ميثاق الهدنة التي عقدها مع قريش في السنة السادسة من الهجرة لمدة عشرة أعوام.

(جـ) المحالفة:

على أن الحقوق والواجبات المتبادلة إنما تبرز في أكمل مظاهرها في عهود الحلف، ومن أمثلة هذه العهود في حياة الرسول، تانك [هاتان] المحالفتان اللتان مهد لهما صلح الحديبية حيث خول كلًا من الفريقين أن يختار حليفًا له من بين القبائل العربية فاختارت «خزاعة» أن تحالف محمدًا، واختارت «بنو بكر» أن تحالف قريشًا. ولقد كان من نتائج تطبيق هاتين المحالفتين أن نهض المسلمون في السنة الثامنة لنجدة خزاعة حين نقضت قريش عهدها بإزائها، وينبغي أن يلاحظ أن هذا النقض لم يكن بقتال مباشر موجه علانية لخزاعة، وإنما كان معاونة سرية بالمال والسلاح لبني بكر عليها، ومن هنا تعرف وجهة نظر الإسلام في هذه النقطة القانونية.

(د) الإعارة والتأجير:

وهذا مثال طريف لنوع من المواثيق لا نجده بعد إلا في العصر الحديث: ذلك هو العهد الذي أعطاه النبي لنصارى نجران باليمن، وهو وإن كان عهدًا مليئًا أكثر منه عهدًا دوليًا، إلا أن فيه شرطًا يذكرنا بميثاق الإعارة والتأجير الذي عقدته الولايات المتحدة الأمريكية مع بريطانيا لتموين الجيوش الإنجليزية في الحرب العالمية الثانية.

فهذا العهد النبوي إذا نظرنا إليه من وجهتيه الاجتماعية والدينية، نراه يلتزم للنجرانيين حرية عقيدتهم وعبادتهم، وسلامة معابدهم، وعدم المساس بمساكن كهنتهم ما داموا لا يحدثون اضطرابًا، ولكن الناحية الاقتصادية لهذا العهد أكثر طرافة فإنه ينص على ضرورة تقديم مساعدة مادية معينة منهم للمسلمين في حال حدوث نزاع بين المسلمين وبين طرف ثالث في اليمن، ومن بين هذه المساعدة إعارة جيش المسلمين ثلاثين وحدة من كل صنف من أصناف السلاح، على أن يقوم المسلمون برد هذه الأسلحة إلى حلفائهم النجرانيين بمجرد انتهاء الحرب.

 

٦ – الوفاء بالعهود:

وبعد: فإن من المقرر المعترف به عند الجميع أنه يجب على طرفي العقد -مهما كان نوع المعاهدة التي بينهما- أن يحافظا بدقة وأمانة على تنفيذ كل شروط الميثاق بنصها وروحها.

غير أن هذا الالتزام يأخذ في نصوص القرآن طابعًا خاصًا من التشديد ومن القدسية يجعله فرضًا دينيًا بالمعنى الحقيقي، فالميثاق الذي يعقده المسلم لا يرتبط به أمام الناس فحسب، بل أنه ينعقد في الوقت نفسه بينه وبين الله تعالى إذ يجعل المسلم ربه شهيدًا وكفيلًا على عقوده والتزاماته، ومن هنا يصبح احترام هذه الالتزامات أمرًا متغلغلًا في النفوس، متصلًا أوثق اتصال بعقد الإيمان، بحيث لا يبقى لقوة في الأرض أن تحلله منه، سواء في ذلك دوافع المنفعة أو طلب النفوذ، أو زيادة الرخاء، أو المجال الحيوي، أو التوسع الاقتصادي، أو التوازن السياسي، أو غير ذلك.

وإلى هذا كله يشير القرآن حيث يقول: ﴿وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ (١٦: ٩١، ٩٢).

فإذا نحن رجعنا إلى السنة النبوية وجدناها قد بلغت من الدقة في تطبيقها لهذه التعليمات القرآنية مبلغًا يكفي في وصفه أن نورد بعض أمثلة منه:

كان أبو جندل من المسلمين المحصورين في مكة، فبينما كانت تكتب شروط صلح الحديبية أقبل يرسف في قيوده ليقيم مع المسلمين، وإذ كانت المعاهدة لم توقع بعد، كان من الممكن ألا يطبق عليه شرط رد اللاجئين، ولكن ممثل قريش عارض في ذلك بحجة أن الاتفاق الشفوي قد تم آنفًا قبل قدوم هذا اللاجئ، فصدقه النبي عليه الصلاة والسلام، وتركه يأخذ بتلابيب المهاجر ليرده إلى مكة، ولم يكن صياح أبي جندل وشكواه وإعلان خوفه من أن يفتنه المشركون عن دينه إذا رجع إليهم، ولا الألم النفسي الذي أصاب المسلمين بسبب هذا التنازل - لم يكن كل ذلك - ليغير من موقف النبي وما زاد على أن قال: "يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، ولكنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا، وأعطيناهم على ذلك عهدا، وإننا لا نغدر بهم - أو - وإنه لا يصلح في ديننا الغدر" ولقد تكرر مثل هذا الحادث بعد في شأن أسير آخر وهو أبو بصير، وكان الحل هو الحل.

وإليك مثالًا من نوع آخر كان القادم فيه من المشركين لا من المسلمين، وجاء مبعوثًا لا هاربًا ذلك هو أبو رافع الذي قدم برسالة من قريش إلى النبي فما هو إلا أن رأى النبي حتى وقع في قلبه الإسلام، وأراد ألا يرجع إلى قومه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أما لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد».

بل هناك ما هو أعظم من ذلك دلالة على قدسية العهود والمواثيق في نظر رسول الإسلام، وأنه لم يكن حرصه على الوفاء بعهوده أشد منه على وفاء أتباعه بعهودهم الشخصية، مهما شقت على ضمير المؤمنين، ومن أطرف الأمثلة في ذلك وأشدها غرابة حادثة حذيفة وأبيه فقد كانا قطعا على نفسيهما لبعض الأعداء عهدًا -بدون استئذان الرسول- ألا يقاتلاهم، فلما جاء وقت القتال استفتيا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كان جوابه إلا أن قال: «انصرفا نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم».

 

٧ – قطع العلائق السياسية:

شرطان لابد منهما في نظر القرآن لإباحة نقض حلف سابق:

  1. هذا النقض لا يصح أن يحدث اعتباطًا وابتكارًا من قِبَلنا تحت تأثير الأغراض والمنافع، أو بواعث الهوى والعاطفة، بل لا بد أن يكون مسبوقًا باستفزاز من قبل الخصم وبأمارات تدل على أنه ينوي خيانة العهد.
  2. ولا يصح أن يكون قطع العلائق عمليًا فقط، وبدون سابق إنذار، وإلا لكان غسلًا للخيانة بالخيانة، بل لابد أن يكون نبذًا للمعاهدة صريحًا واضحًا وأن يصل إلى علم الخصم في الوقت المناسب ليكون على بينة من نيتنا نحوه حتى نكون وإياه سواء في ذلك، هذا هو صريح نص القرآن (٨: ٥٨).

 

خاتمة:

هكذا نرى أن التشريع الدولي في الإسلام يستوحي في كل خطوة من خطواته روح العدالة والمساواة بين الناس أمام القانون، بل يستمد من ينابيع أشد عمقًا من ذلك كله: يستمد من منابع الإيمان الصحيح، والخلق الكامل.

ونستطيع أن نقول -ووثائق التاريخ بين أيدينا-: إن هذا التشريع الدولي العام بمعناه الصحيح لم يكن له وجود قبل الإسلام، ولم يصل إليه تشريع آخر بعد الإسلام إلى يومنا هذا.

 

لتحميل ملف المقال (هنا)

مبادئ القانون الدولي العام في الإسلام (1-2)

 

* دراز، محمد عبد الله، مبادئ القانون الدولي العام في الإسلام، مجلة رسالة الإسلام، القاهرة: دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، س 2، ع 2، (ربيع الآخر 1369هـ/ يناير 1950م).

** العلامة محمد عبد الله دراز (8 نوفمبر 1894 - 1 يناير 1958). عرفته المجلة وقت نشر المقال بأنه "عضو جماعة كبار العلماء". هو أحد أبرز علماء الأزهر الشريف ومفكري الإسلام في العصر الحديث، وعضو جماعة كبار العلماء. وُلد بقرية "محلة دياي" بمركز دسوق التابع لمحافظة كفر الشيخ بمصر، ونشأ في بيت علم وصلاح؛ فوالده هو العالم الأزهري الشيخ عبد الله دراز، شارح كتاب "الموافقات" للإمام الشاطبي. حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وتدرج في التعليم الأزهري حتى نال شهادة العالِمية عام 1916م. يُعد الدكتور دراز علامة فارقة في الفكر الإسلامي بفضل جمعه الرائع بين الأصالة الإسلامية العميقة والانفتاح الواعي على الثقافة الغربية. ففي عام 1936م، أُوفد في بعثة علمية لدراسة الفلسفة وتاريخ الأديان في فرنسا، وتُوّجت رحلته بحصوله على درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف العليا من جامعة "السوربون" بباريس عام 1947م. وتألفت رسالته من دراستين عظيمتين هما: "دستور الأخلاق في القرآن الكريم" و"مدخل إلى القرآن الكريم"، حيث يُحسب له أنه أول من استخلص النظرية الأخلاقية المتكاملة وبناها كبناء معرفي مستقل من خلال القرآن الكريم. عمل أستاذًا في جامعة الأزهر، وكلية أصول الدين، وجامعة القاهرة، ودار العلوم، كما شغل عدة مناصب علمية وثقافية رفيعة. وقد ترك للمكتبة الإسلامية إرثًا فكريًا قيّمًا يتميز بعمق التحليل، والأسلوب البليغ، والحجة المنطقية، ومن أشهر مؤلفاته: النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن، الدين: بحوث ممهدة لتاريخ الأديان. الميزان بين السنة والبدعة. تُوفي -رحمه الله- في يناير من عام 1958م أثناء مشاركته ممثلًا عن مصر في المؤتمر الإسلامي العالمي بمدينة لاهور في باكستان، تاركًا خلفه سيرة عطرة ومدرسة فكرية رائدة جعلت من القرآن الكريم محورها ولبابها. المحرر.

[1] هذا أحد الأدلة الساطعة على أن هدف الحرب الإسلامية ليس هو محو الديانات الأخرى، فها نحن أولاء نراه على العكس من ذلك يحرص على تحصين أبناء تلك الديانات وحماية رؤسائها -الذين هم أبرز من يمثلها- من كل عدوان ما داموا بعيدين عن إشعال نار الحرب.

[2] انظر قول الرسول لمبعوثي مسيلمة الكذاب: «والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما».

قيّم هذا المقال
(0 أصوات)
آخر تعديل بتاريخ الخميس, 13 أغسطس 2026 09:04

مقالات ذات صلة