طباعة الصفحة

تأثير الأخلاق في الأحكام الشرعية والقانونية*

By عبد الله صيام** يوليو 30, 2026 25 0

لقد بدأت النزعة الخلقية والميل إلى الرحمة بالإنسانية يؤثران في القانون الوضعي منذ أوائل القرن التاسع عشر، فنشأت في القانون نظرية إساءة استعمال الحقوق، ونظرية الحبس مع إيقاف التنفيذ، ونظرية الاتجاه بالعقوبات الجنائية نحو تهذيب المجرم وإصلاحه دون الاقتصار بها على إيلامه وتعذيبه، ونحو ذلك من النظريات التي غلبت في نشوئها العاطفة الخلقية والرفق الإنساني؛ كالتشريع الخاص بالعمال الذي يحميهم من الوجهة الصحية والاقتصادية من استبداد أصحاب رؤوس الأموال وأرباب المصانع والمتاجر.

أما نظرية إساءة استعمال الحقوق؛ فإن الحق الذي يقرره القانون لشخص يمنحه استعماله كيف شاء، ولكن عسى أن [على ألا] يتخذ صاحب الحق من ذلك ذريعة إلى الإضرار بغيره - ومكارم الأخلاق تأبى أن يجعل الإنسان من حقه المقرر له سبيلًا إلى الإضرار بأحد، كمن يملك قطعة أرض فأخذ يملؤها بالماء مفرطًا في ذلك، فنضح الماء في أرض الجار وأتلف زرعه؛ فإنه إنما يستعمل ملكه الذي يتمتع فيه بحق الاستعمال المطلق قانونًا، ولكن القانون في هذه الحالة يوقفه عند حده ويجعل لمن تلف زرعه حق مطالبته بالتعويض من هذا التلف لأنه أساء استعمال حقه.

وكذلك الحبس مع إيقاف التنفيذ؛ فإنه قد تبدر من إنسان بادرة إجرام يعاقب عليها بالحبس قانونًا، ولكن نفسه لم تتلوث قبل ذلك بجرم، وقد يكون في حبسه استرسال له في الإجرام وتلويث نفسه بمخالطة المجرمين في السجن، فإن مكارم الأخلاق تأبى أن يُسجن مثل هذا، ولا سيما إذا عُرف ندمه وحرصه على عدم العود لما فعل. والعقوبة في نظرياتها الحديثة توضع لتهذيب نفس المجرم لا للاسترسال به في الإجرام - فبناءً على ذلك أجاز القانون للقاضي أن يحكم بالحبس مع إيقاف التنفيذ على شرط ألا يقترف الجريمة في مدة معينة. ولم يدخل مشرعو القانون في العصر الحديث النزعات الخلقية في أحكامهم إلا بقدر وفي دائرة محدودة قلّ أن يتجاوزوها.

أما الشريعة الإسلامية الغراء؛ فإن أحكامها ممتزجة بالأخلاق امتزاج الماء بالعود الأخضر، مما يدل على أنها ألصق بإصلاح المجتمع وأدنى إلى تهذيبه وأبلغ في تقويمه من القانون.

من ذلك، حماية الشريعة للمحتاج في اشترائه ما يسد حاجته خشية استبداد من يجد عنده حاجته وعسفه عليه. فإن المحتاج إما أن يلجأ إلى القرض، وإما إلى الصدقة، وإما إلى العمل بما يلبي حاجته ويقيم أوده. فإذا احتاج إلى القرض فقد أبت الشريعة عليه وعلى المقرض أن يأخذ المال بربًا ولو راضيًا على ذلك؛ لأنه ما رضي بالربا إلا مضطرًا إليه بدافع الحاجة، وإن المقترض لا يمكنه من سدها إلا بفائدة ينالها.

ولكن القانون الوضعي يرجع في ذلك إلى قاعدة اقتصادية هي: أي فائدة للمقرض ترغبه في القرض؟ بل كيف يجني من ماله ثمرة؟ وكيف يجمع رؤوس الأموال الكبيرة لإنشاء المشاريع التجارية والمصانع ومستغلات الأموال واستثمارات القروض إذا كانت القروض بغير فائدة؟ وإذن لا بد منها على شرط ألا تكون فاحشة فترهق المقترض وتوقعه في أسر الديون المتراكمة.

إن للمقرض والمستقرض حالتين؛ لأنه إما أن تكون الحاجة من الجانبين أو من جانب واحد:

  • فإن كانت من الجانبين: بأن كان المقرض في حاجة إلى استثمار ماله وتنميته بعمل المستقرض، والمستقرض في حاجة إلى مال المقرض للعمل والاتجار به واستغلاله ونحو ذلك، فإن الشريعة ترجع بها في هذه الحالة إلى قاعدتها الاقتصادية وشرعت لذلك القراض (المضاربة)، وهي شركة فيها مال من المقرض وعمل من المستقرض على أن يكون الربح بينهما على ما شرطا- وكما يشتركان في الربح يشتركان في الخسارة، وذلك ما تقضي به قواعد الاقتصاد وقواعد الأخلاق معًا، بخلاف ما جرت به العادة في الاقتراض على وفق النظريات الاقتصادية والقانونية الحديثة من دفع المستقرض فائدة معينة للمقرض سواء ربح أم خسر؛ فإنه قد يربح ربحًا يفوق الفائدة أضعافًا مضاعفة فلا يقع التوازن والتناسب بين ربح العمل ورأس المال وفيه حيف على المستقرض، وقد يخسر خسارة فادحة فيكون في التزامه بالفائدة مع ذلك نكبة تدمر وفره إن لم تُفضِ به إلى الاحتياج والإفلاس.
  • الحالة الأخرى أن تكون الحاجة من جانب واحد: بأن يحتاج المستقرض إلى المال والمقرض في غنى عن العمل بهذا الجزء الذي يحتاجه المستقرض وعن تثميره، فالشريعة في هذه الحالة تمنع المقرض والمستقرض من الربا وتحرمه عليهما، وترغب المقرض في الصدقة والإحسان؛ إما بدفع المال إلى ذي الحاجة صدقة إن كان من أهلها شرعًا، وقد توجب هذه الصدقة إيجابًا في الزكوات المشروعة في الإسلام، وإما بدفعه قرضًا حسنًا ليرد مثله حين اليسار بدون فائدة؛ وفي هذا أيضًا صدقة لأنه تفريج لكربة الملهوف، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة»، وهذا هو السر في جمع الله سبحانه بين المنع من الربا والصدقة في قوله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}، وفي قوله تعالى: {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ ۖ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ}.

فالشريعة في هذه الحالة الأخيرة من الحالتين الآنفتي الذكر ترجع إلى القواعد الأخلاقية؛ لأنها موضع لمكارم الأخلاق حينما تكون الحاجة من جانب واحد، وهي أيضًا مظنة لاستبداد المحتاج إليه وعسفه على المحتاج بما أن الحاجة ليست متبادلة كما هي في الحالة الأولى، فكان من حكمة الشريعة أن حكّمت في الحالة الأولى قواعد الاقتصاد، وفي الثانية قواعد الأخلاق، بينما نرى القانون لا يرى في الحالتين إلا قواعد الاقتصاد المبنية على الشره المالي والبعد عن التعاون الاجتماعي بمعناه الخلقي الجميل، وترك التعاطف الإنساني والتراحم بين بني المجتمع الواحد؛ إذ كلٌ لا يريد إلا فائدة نفسه وإن جمعها بحزِّ رقاب الآخرين في مصالحهم الحيوية. على أن الشريعة قد لاحظت الفكرة القانونية في الربا الفاحش وسبقت إليها بنص يؤكد حرمة الربا الفاحش، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً}، وهذا فوق تحريمها أيضًا القليل من الربا إذ هو يجر إلى الكثير.

ومن تأثر الأحكام الشرعية بالأخلاق مشروعية العقوبة بنقيض القصد السيئ؛ فعاقبت قاتل مورثه بالمنع من الميراث؛ لأنه قصد بالقتل قصدًا سيئًا باستعجاله لإرث فخُيِّب بالحرمان منه، وكذلك عوقب الفار من توريث زوجته بتطليقها بائنًا في مرض الموت بنقيض قصده وتوريثها منه إذا مات في عدتها. ومن ذلك إبطال الوقف وبيعه في الدين المستغرق إذا حصل الوقف في مرض الموت أو كان المدين محجورًا عليه للدين ولا مال له غير الموقوف، فإن الوقف في هذه الحالة مظنة القصد السيئ من الواقف لكي يفر به من قضاء الدين، فعوقب بنقيض قصده وهو إبطال وقفه وسداد الدين من ثمنه.

ومن هذا القبيل قضاء عليّ كرم الله وجهه في امرأة هتكت عرض فتاة يتيمة كانت في حجرها وكفالة زوجها، فرأت من الفتاة جمالًا ورواءً فخشيت أن يفتتن زوجها فيتزوجها أو يتخذها سرية، فأمسكتها لها بمعاونة نسوة حتى افتضت بكارتها ونكست رأسها ثم شهرت بها واتهمتها بالزنى لتنفر منها زوجها بغير عيب، فقضى عليّ على المرأة بحد القذف لتفنيدها الفتاة بالزنى، وعاقبها على هتك العرض بنقيض قصدها السيئ فأمر الرجل أن يطلقها ويتزوج الفتاة ودفع لها الصداق من عنده-  وقلّما تفطن أحد إلى أن عليًا كرم الله وجهه قضى في هذه المسألة بروح الشريعة ونظامها الذي يقضي بالعقوبة بنقيض القصد السيئ ردعًا للناس وزجرًا وتقويمًا خلقيًا يفوق بالقضاء الشرعي وبالأحكام الشرعية، وبخاصة مشروعية القوانين الوضعية التي لم تكل إليها مثل هذا التأديب النفسي والمهذب الخلقي بعد. وقد بدأ يفكر مشرعوها في تضمين الأحكام القانونية بعض النظريات التهذيبية الخلقية كالتي ذكرناها آنفًا، وذلك أمر سبقتهم الشريعة الإسلامية إليه منذ ثلاثة عشر قرنًا.

ونظرية إساءة استعمال الحقوق سبقت الشريعة إليها القانون، وفي الشريعة فروع كثيرة تدل عليها:

  • من ذلك: أن قومًا ذكروا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أنهم نزلوا ببلد فسألوا أهله أن يدلوهم على البئر ليستقوا فأبوا وكادت أعناقهم تنقطع ظمأ، فلما وجدوا البئر سألوهم دلوًا فأبوا، فقال عمر: «هلا وضعتم فيهم السلاح؟»، فقد أباح عمر قتال من يمنعون السقيا وإن كان ذلك من حقهم؛ إذ هم أصحاب البئر والدلو؛ لأنهم أساءوا استعمال هذا الحق في الإضرار بمن كاد يقتله الظمأ ولا يجد إلا ما تحت أيديهم من الماء والدلو.
  • ومن ذلك: أن استسقى رجل قومًا فلم يسقوه حتى مات، فألزمهم عمر ديته. ومثل هذا كل من أمكنه إنجاد إنسان من الهلكة فلم يفعل، وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه.
  • ومن ذلك: ما قاله ابن حبيب من أصحاب مالك عن مطرف فيمن يتخذ حمامًا في أبراجه والحمام يؤذي الناس أو يفسد الزرع أنه يمنع من اتخاذ برج الحمام؛ فاتخاذ الحمام وإيواؤه في أبراج يملكها من حقه، ولكنه يُمنع من هذا الحق لإساءة استعماله حتى قال ابن القيم في الطرق الحكمية: «والقياس أن صاحبها يضمن ما أتلفت من الزروع مطلقًا».
  • ومن ذلك: ما قاله ابن حبيب أيضًا في المصابين بالأمراض المعدية قال: «يُحكم عليهم بتنحيتهم ناحية (الحجر الصحي في هذا الزمان) إذا كثروا»، وهو الذي عليه فقهاء الأمصار لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فرّ من المجذوم فرارك من الأسد». وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل من وفد ثقيف جاء مع الوفد ليبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: «إنا قد بايعناك فارجع»؛ لأنه كان مبتلى بمرض معدٍ.
  • وقال ابن وهب من أصحاب مالك أيضًا: في المبتلى يكون له في منزله سهم وله حظ من شرب فأراد من معه في المنزل إخراجه منه وزعموا أن استقاءه من مائهم الذي يشربون منه يضر بهم، فقال: «أخرجه من المنزل» - وقال ابن وهب: «إذا كان له مال أُمِر أن يشتري لنفسه من يقوم بأمره ويخرج في حوائجه ويلزم بيته فلا يخرج».

فالحكم بإلزام المصاب بالمرض المعدي بيته في مذهب الإمام مالك أو تنحية المصابين ناحية ووضعهم في المحجر الصحي - لأن استعمالهم حقوقهم في الخروج والذهاب أنَّى شاءوا يضر بالغير ويسبب العدوى - مما تزعم المدنية الحديثة أنها أتت به وانفردت بتشريعه، وقد بان لك أنه مأخوذ من شريعتنا، وأن النظريات القانونية الحديثة التي بهرت العقول عيال على شريعتنا الإسلامية إن لم نقل إنها مستمدة منها، وهم ينسبونها لأنفسهم إخفاء لفضل الإسلام وعملًا على التنفير منه ومحق مزاياه، ويريدون {لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}.

 

لتحميل ملف الدراسة (هنا)

 

* تأثیر الأخلاق في الأحكام الشرعية والقانونية، عبد الله صیام؛ مجلة المحاماة الشرعیة، السنة الثانیة، جمادی الثانیة 1349 - العدد 2 (4 صفحه - من 131 إلى 134).

** عَرَّفت المجلة الشيخ عبد الله صيام بأنه "متخصص في الشريعة الإسلامية ومحام شرعي". والحقيقة أن الشيخ صيام يعد أحد الأعلام البارزين في مجال الفقه، والمحاماة أمام المحاكم الشرعية في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، وتحديدًا في الفترة التي شهدت توهجًا كبيرًا للمحاماة الشرعية وقضايا الأحوال الشخصية والأوقاف. تلقى الشيخ عبد الله صيام تعليمه في جامع الأزهر الشريف، وتشرب الفقه الإسلامي على المذاهب الفقهية المعتمدة، ولا سيما المذهب الحنفي الذي كان المعول عليه في القضاء الشرعي المصري آنذاك. يُعد من الرعيل الأول الذين مارسوا مهنة "المحاماة الشرعية" بعد تنظيمها بصدور اللوائح الخاصة بها في أوائل القرن الماضي (مثل لائحة ترتيب المحاكم الشرعية). اشتهر ببراعته الفائقة في الترافع في قضايا الأوقاف المعقدة (إثباتًا ونظارةً واستحقاقًا) وقضايا الأحوال الشخصية، وكان مقصدًا للعائلات الكبرى في مصر لتوثيق وحماية أوقافهم وحل النزاعات القضائية حولها. عاصر أقطاب الحركة الفكرية والقانونية في القرن الماضي، وكان له حضور في الأوساط التي تناقش إصلاح القضاء الشرعي وتقنين الأحوال الشخصية. (المحرر).

قيّم هذا المقال
(0 أصوات)
آخر تعديل بتاريخ الخميس, 30 يوليو 2026 09:46