طباعة الصفحة

التحليل الاقتصادي بين القانون والتشريعات الإسلامية

By أ.د. عبد الرحيم عبد الحميد الساعاتي* يوليو 13, 2026 52 0

التحليل الاقتصادي للقانون:

يشهد الفكر الاقتصادي المعاصر في وقتنا الحاضر تطورًا وتوسعًا ملحوظًا وكبيرًا في نطاق ومساحة الحقول المعرفية البينية والتخصصات المتقاطعة التي تسعى بجهد حثيث ومستمر إلى إيجاد حالة من التوفيق والترابط الوثيق بين علم الاقتصاد من جهة، وبين مختلف العلوم الاجتماعية والإنسانية الأخرى من جهة ثانية. ويأتي هذا التوجه الحديث إدراكًا عميقًا لحقيقة راسخة تتمثل في أن علم الاقتصاد، في جوهره، يدرس السلوك الإنساني والتفاعلات الاجتماعية المعقدة في سبيل تلبية الاحتياجات الاقتصادية المتزايدة، وأن الظواهر الاقتصادية المتنوعة تتجاوز بكثير حدود الأسواق التقليدية المتعارف عليها وآليات التسعير البسيطة للعرض والطلب، لتتداخل وتتشابك بصورة عضوية مع النظم القانونية الحاكمة، والمؤسسات الاجتماعية الفاعلة، فضلًا عن القيم الأخلاقية والمعتقدات الدينية التي تلعب دورًا حيويًا ومحوريًا في توجيه وضبط السلوك الإنساني وتحديد مساراته.

وعلى مدى عقود مضت، أدت المنهجية الوضعية الصارمة التي بنيت وتأسست عليها النظرية الاقتصادية الكلاسيكية في محاولتها لتنظير السلوك الاقتصادي إلى عزل وتهميش تأثير العديد من العوامل الحيوية غير الاقتصادية، مما أسفر في نهاية المطاف عن وجود قصور واضح ونقص جلي في قدرة تلك النظرية على تمثيل المؤثرات الحقيقية والواقعية التي تنعكس فعليًا على السلوك الاقتصادي للأفراد والمجتمعات. وقد أفضى هذا القصور المنهجي والنظري إلى بروز وظهور حقول معرفية ومجالات بينية جديدة تهدف إلى معالجة أسبابه وجذوره العميقة، ويبرز من أهم هذه الحقول على الإطلاق حقل "التحليل الاقتصادي للقانون" (Law and Economics) الذي شهد نموًا وتطورًا متسارعًا وواسع النطاق منذ بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، ليصبح بمرور الوقت من أبرز وأهم الاتجاهات العلمية والأكاديمية المؤثرة بقوة في مسار الدراسات القانونية والاقتصادية على حد سواء، وليشكل مدخلًا أساسيًا وركنًا لا غنى عنه في عمليات تصميم التشريعات الحديثة وتقويم مدى فعاليتها ونجاحها على أرض الواقع. وفي هذا السياق، فقد أسهمت نخبة متميزة من كبار العلماء ورواد هذا المجال المبتكر في إرساء وتثبيت أسسه النظرية وقواعده التطبيقية والعملية، حتى إن بعض هؤلاء الرواد قد نالوا جوائز علمية مرموقة وأوسمة رفيعة المستوى، وفي مقدمتها جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية، وذلك تقديرًا لإسهاماتهم الجليلة وجهودهم الرائدة في توظيف أدوات ومنهجيات التحليل الاقتصادي الدقيقة لتفسير وشرح أثر القواعد والضوابط القانونية في توجيه سلوك الأفراد وتعديله، بالإضافة إلى دورها في تحديد مستويات كفاءة الأسواق المختلفة، وتقييم جودة أداء المؤسسات المجتمعية المتنوعة.

ومن الناحية الفلسفية والتأسيسية، يرتكز هذا الحقل المعرفي البيني على فرضية محورية ونقطة انطلاق أساسية مفادها أن القاعدة القانونية المجردة والنصوص التشريعية المكونة لها لا تقتصر وظيفتها فحسب على تنظيم العلاقات الظاهرية والشكلية بين الأطراف المتنازعة أو المتعاقدة، بل إنها تتجاوز ذلك لتنتج وتولد آثارًا وتداعيات اقتصادية حقيقية وملموسة، وهي آثار قابلة للقياس الكمي والنوعي وتخضع لأدوات التحليل المنهجي الدقيق. وتتجلى هذه الآثار العميقة بوضوح تام في طبيعة ونوعية الحوافز، سواء كانت حوافز إيجابية مشجعة أو سلبية رادعة، التي تخلفها تلك القواعد في بيئة العمل، وكذلك في حجم الأعباء وتكاليف الامتثال الصارمة لمتطلباتها القانونية، إلى جانب انعكاساتها المباشرة والقوية على مجمل عمليات الإنتاج المتنوعة، وحركة الاستثمار المالي، وأنماط الاستهلاك اليومي، ونشاط التبادل المحلي والدولي، فضلًا عن دورها الحاسم وفعاليتها الكبيرة في الحد من المخاطر المحتملة، وتقليل حجم المنازعات القضائية، وخفض ما يعرف بتكاليف المعاملات الاقتصادية إلى أدنى حد ممكن.

ومن جهة أخرى موازية، يمارس علم الاقتصاد بأدواته المتعددة تأثيرًا جوهريًا وبالغ الأهمية في توجيه عمليات صياغة وتأسيس القواعد وتصميم المؤسسات القانونية المختلفة، حيث بات يُراعى بشكل متزايد ومستمر في بنائها وتصميم هياكلها ضرورة تحقيق أعلى مستويات الفعالية التشغيلية والكفاءة الاقتصادية لضمان بلوغ أهدافها المنشودة وغاياتها التي شُرعت من أجلها بنجاح تام. وبناءً على كل ما سبق تفصيله، أضحى اليوم تحليل الآثار والتبعات الاقتصادية للتشريعات بمثابة مرحلة حيوية وخطوة لا يمكن تخطيها في مسار إعداد القوانين الجديدة ورسم خطط السياسات العامة للدول، وهو الأمر الذي يعين ويساعد صانع القرار الاستراتيجي والمشرع الحكومي بفاعلية على المفاضلة الواعية واختيار أفضل البدائل والخيارات التشريعية المتاحة التي تضمن بدورها تحقيق الكفاءة الاقتصادية القصوى، وتصون في الوقت ذاته المصلحة العامة العليا للمجتمع بأسره.

 

التحليل الاقتصادي للتشريعات الإسلامية:

شكلت العقيدة الإسلامية الراسخة الركيزة الأساسية والمحور الجوهري للمنظور الإسلامي الشامل والمتكامل، وهو المنظور الذي أرسى بقوة وعمق ثوابت المنظومة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتنظيمية في بنية المجتمع المسلم، جاعلًا من القيم الروحية والمادية نسيجًا واحدًا لا يتجزأ. وفي هذا السياق، تمثل أحكام الشريعة الإسلامية الغراء إطارًا تشريعيًا وتنظيميًا متكاملًا وشاملًا يهدف في مقاصده العليا إلى تنظيم كافة شؤون حياة الإنسان وتوجيهه نحو الصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة؛ حيث تشغل منظومة العلاقات المالية والاقتصادية حيزًا بالغ الأهمية وتستحوذ على اهتمام واسع من مجمل أحكامها وتوجيهاتها الربانية التي تضمن تحقيق العدل والإنصاف.

وقد نظمت الأدبيات الفقهية المتراكمة عبر العصور، ولا سيما مباحث فقه المعاملات المالية، كافة أشكال العلاقات الاقتصادية والمعاملات المالية بدقة متناهية وإحكام شديد يراعيان تغيرات الزمان والمكان، فشملت بتفصيل دقيق مفاهيم الملكية الخاصة والعامة وحدود كل منهما، وطرق الكسب المشروع التي تحفز العمل وتنبذ البطالة، وأنواع العقود المتبادلة والالتزامات، وسبل التمويل المتنوعة، وآليات التبادل التجاري الحر القائم على التراضي، ونظام الوقف الخيري الذي يضمن التكافل التنموي، وشعيرة الزكاة التي تعد الركن الركين لإعادة توزيع الثروة، وأحكام المواريث العادلة التي تفتت تكدس الأموال، وقواعد الضمان والتعويض لحفظ الحقوق، وإجراءات الإفلاس وتصفية الديون برحمة وعدل، وغيرها من المجالات الحيوية المتعددة التي تشكل في مجموعها البنية المؤسسية القوية والمتينة للعلاقات الاقتصادية في المجتمع المسلم، والتي مثلت بدورها حجر الزاوية وأساس التنظير الاقتصادي الإسلامي على مر العصور.

وقد اضطلع الفقه الإسلامي بمدارسه المتنوعة، وتحديدًا قطاع فقه المعاملات المالية، بمهمة جليلة تتمثل في تأصيل هذه الأحكام الشرعية واستنباطها من مصادرها الأصلية، وبيان كافة ضوابطها الحاكمة وشروطها الدقيقة وتوضيح آثارها المتعددة المترتبة عليها في حياة الأفراد والمجتمعات. كما قدم علم الاقتصاد الإسلامي المعاصر، مستندًا وبناءً على هذا التراث الفقهي الزاخر، نماذج نظرية وتطبيقية متطورة وحديثة تهدف بالأساس إلى تفسير وتحليل حركية النشاط الاقتصادي في ضوء أحكام الشريعة الغراء ومقاصدها الكلية السامية الساعية بلا كلل لتحقيق رفاه وسعادة البشرية جمعاء وإبعادها عن الأزمات الهيكلية.

وفي سياق التطور والنمو المعرفي المطرد لعلم الاقتصاد الإسلامي في العقود الأخيرة، تتركز جهود مؤثرة جدًا من الإنتاج العلمي والبحثي والأكاديمي في مجالات فقه المعاملات المالية والاقتصادية على مهمة بيان وتوضيح الأسس الشرعية المتينة والقواعد الفقهية الكلية والجزئية الحاكمة لمجمل النشاط الاقتصادي بمختلف صوره وأشكاله التقليدية والمستحدثة. في حين انصرفت وتوجهت معظم الدراسات الاقتصادية التي تتناول السلوك الإنساني في المجتمع المسلم إلى تحليل ودراسة خصائص وميزات النظام الاقتصادي الإسلامي الفريدة، وذلك من خلال مقارنتها بغيرها من النظم الوضعية الرأسمالية والاشتراكية، إلى جانب مناقشة تفاصيل أدوات ومنتجات التمويل الإسلامي المعاصرة وكيفية ابتكارها وتطويرها لتلبية احتياجات السوق، وتقييم فاعلية سياسات التنمية المستدامة وبرامج تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية الشاملة، مع إيلاء عناية واضحة واهتمام بالغ بالتأصيل الفقهي الدقيق لكل مسألة والتحليل المقاصدي العميق الذي يربط الفروع بالأصول.

ومع الإقرار التام بأهمية وريادة هذه الجهود البحثية القيمة، التي أسست لهذا العلم، برزت في الآونة الأخيرة الحاجة العلمية والعملية الماسة إلى حتمية وضرورة توسيع دائرة البحث الأكاديمي والدراسة التطبيقية لتتجه نحو استكشاف وقياس الآثار الاقتصادية الواقعية والملموسة للضوابط الشرعية والأحكام الفقهية، في الحياة اليومية، من خلال توظيف واستخدام أحدث أدوات ومناهج التحليل الاقتصادي القياسية والكمية الدقيقة بهدف فهم واستيعاب كافة النتائج والتداعيات العملية الحقيقية المترتبة على تطبيق الأحكام الشرعية في صميم وواقع الحياة الاقتصادية، فضلًا عن تحليل مدى تأثيرها الإيجابي والفاعل في توجيه وترشيد صياغة قرارات الأفراد الاستهلاكية والاستثمارية، وقرارات المؤسسات والشركات التجارية، وديناميكيات الأسواق المالية والاقتصادية بمختلف أنواعها وقطاعاتها المتشعبة.

واستجابة لهذه المتطلبات، يطرح هذا الاتجاه البحثي والتحليلي الجديد والواعد تساؤلًا علميًا ومنهجيًا محوريًا وجوهريًا يتمثل في الآتي: ما هي مجمل النتائج الاقتصادية المتوقعة والآثار المادية الفعلية والكمية التي تحققها وتفرزها هذه الضوابط والأحكام الشرعية عند تنزيلها وتطبيقها بشكل كامل وصحيح على أرض الواقع الاقتصادي المعاش؟

وفي هذا الإطار، لا يقتصر الجواب العلمي والموضوعي المطلوب هنا على مجرد بيان الإطار النظري أو إثبات مشروعية الحكم الفقهي، من الناحية المجردة أو حتى استنباط حكمته العامة وفلسفته الأخلاقية والروحية فحسب، بل يمتد نطاقه وأفقه ليشمل دراسة وتحليل أثره الفعلي العميق والمباشر في تحسين آليات تخصيص وتوزيع الموارد الاقتصادية النادرة، وبكفاءة وعدالة، ورفع مستوى كفاءة الأسواق في أداء وظائفها الحيوية، وتقليص حجم تكاليف المعاملات التجارية والمالية المختلفة وضبط مستويات المخاطرة المسموح بها لتجنب الغرر الفاحش، وتقييم مدى تحقيق الاستقرار المالي والنقدي المنشود الذي يحمي الاقتصادات من الهزات العنيفة، وطرق فعالة لحماية الحقوق وصيانتها من التعدي أو الهدر، وكيفية توجيه الحوافز الاقتصادية للأفراد والكيانات لتعظيم الإنتاجية، وبناء وتعزيز مستويات الثقة والمصداقية والشفافية بين كافة الأطراف والمتعاملين في بيئة السوق. ويؤدي التوسع المنهجي في هذا النوع المتخصص والمتقدم من الدراسات والأبحاث التطبيقية إلى بناء وتكوين فهم أوسع وأعمق وأكثر شمولية لطبيعة العلاقة الوثيقة، العضوية، والتبادلية القائمة بين مبادئ التشريع الإسلامي القويم، الصالح لكل زمان ومكان، وبين تحسين مستوى الأداء الاقتصادي على المستويين الكلي والجزئي، مما يبرز عظمة هذا الدين وقدرته على قيادة قاطرة التنمية الشاملة.

 

حاجة التحليل الاقتصادي للتشريعات الإسلامية:

يتباين التحليل الاقتصادي للتشريعات الإسلامية تباينًا جذريًا وعميقًا عن التحليل الاقتصادي التقليدي للقانون الوضعي، وذلك بناءً على اختلاف الأسس القيمية والمنطلقات العقدية والجذور الفلسفية التي يرتكز عليها ويستمد منها كل من النظامين الاقتصاديين؛ فالنظام الاقتصادي الإسلامي ينبثق من منظور متكامل تشكل العقيدة السمحة والرؤية الكونية الإسلامية الشاملة للكون والإنسان والحياة ركيزته الأساسية ومحوره الموجه، في حين تستند النظرية الاقتصادية الرأسمالية والقواعد والمؤسسات القانونية المطبقة في المجتمعات الغربية إلى الرؤية العلمانية التي تفصل مقتضيات الدين عن حركة الحياة وتُعلي من شأن النزعة الفردية والمادية.

وعليه، عند صياغة القوانين وتأسيس التنظيمات وصياغة القواعد وتأسيس المعاملات تحت معايير الكفاءة الشرعية، يتحتم بشكل قاطع الحفاظ على استقلالية وسيادة المرجعية الشرعية العليا المتمثلة في نصوص الكتاب والسنة، مع الحذر التام من عدم إخضاع الأحكام والتوجيهات الربانية لمعايير المنظور العلماني الضيق، كمعايير الكفاءة الإنتاجية والفعالية والربحية، والمنفعة المادية البحتة التي تتجاهل البعد الأخلاقي؛ إذ تظل تلبية المقاصد الشرعية الكلية وحماية المصالح المعتبرة هدفًا أساسيًا وغاية عظمى للتشريع، ويبقى الوحي الإلهي المعصوم المصدر الأول والأساس المطلق الذي لا يقبل المساومة أو التبديل.

وفي المقابل، يقتصر دور التحليل الاقتصادي الإسلامي على كونه أداة علمية مساعدة ومكملة وتخدم أهداف التشريع الإسلامي وتدعم النص ولا تتجاوزه، وتُعنى بفهم الآثار المترتبة على تطبيق الأحكام، وتوضيح النتائج العملية في أرض الواقع، وتفسير الظواهر المالية، وتفكيك تعقيداتها المتشابكة بمنهجية علمية وموضوعية دقيقة.

وفي هذا السياق المتطور والمتسارع في عالم اليوم، يبرز مفهوم التحليل الاقتصادي للضوابط الشرعية بوصفه امتدادًا علميًا طبيعيًا وتطورًا حتميًا تفرضه منهجية الدراسات البينية والتقاطعية الحديثة التي تربط بين مختلف العلوم؛ حيث يدمج هذا الحقل ببراعة بين قواعد أصول الفقه الرصينة والمستقرة، وتفريعات فقه المعاملات المالية الإسلامية بتفاصيلها الدقيقة، ونظريات الاقتصاد الجزئي الإسلامي التي تفسر سلوك المستهلك والمنتج، ومبادئ الاقتصاد المؤسسي المعاصر التي تُعنى بهيكلة العقود، ومفاهيم اقتصاديات القانون التحليلية، ومنهجيات تحليل وتقييم السياسات العامة في إطار الدولة.

ويهدف هذا الحقل المعرفي المبتكر والمتجدد إلى دراسة آليات وتداعيات تأثير الأحكام الشرعية في توجيه وتقويم السلوك الاقتصادي للأفراد والجماعات نحو الرشد، وتفسير ما تحققه هذه الأحكام من مصالح عامة ومنافع مجتمعية واسعة النطاق تتجاوز الفرد إلى المجتمع بأسره، فضلًا عن تقييم آثارها الملموسة في تعزيز كفاءة المؤسسات وضبط الأسواق التنافسية، وتحليل كافة البدائل التنظيمية المتاحة في ضوء مقاصد الشريعة الكلية التي تبتغي جلب المصالح ودرء المفاسد، وذلك باستخدام أحدث أدوات ووسائل علم الاقتصاد الإسلامي.

ويمثل هذا التوجه البحثي الجاد والمثمر فرصة استثنائية ونقلة نوعية لدفع عجلة البحث العلمي الرصين في مجالات الاقتصاد الإسلامي والتمويل؛ إذ يفتح آفاقًا واسعة أمام الباحثين والخبراء لإجراء دراسات تطبيقية وميدانية نوعية تستقصي، على سبيل المثال لا الحصر:

  • الأثر الاقتصادي والتنموي العميق للتحريم الصارم للربا بكافة أشكاله والحد من التضخم وتراكم الديون.
  • تحليل انعكاسات الالتزام الصارم بتحريم الغرر والجهالة والميسر في دعم استقرار الأسواق المالية وحمايتها من الانهيارات المفاجئة والأزمات الدورية.
  • تقييم الدور المحوري والأساسي للزكاة في تحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية الحقيقية عبر آليات إعادة التوزيع العادل للمداخيل والثروات ومكافحة الفقر.
  • استقصاء إسهام نظام الوقف الإسلامي الخيري في تعزيز التكافل الاجتماعي وتمويل المشاريع التنموية في قطاعات حيوية.
  • بيان فعالية ونجاعة أحكام الإفلاس والضمان والشفعة وتحريم الاحتكار في الحد من المخاطر السوقية، ورفع كفاءة الأسواق الحرة المنضبطة، وحماية حقوق الأطراف كافة من الظلم والإجحاف.
  • كما يسهم هذا التوجه التحليلي العميق في تصميم نماذج نظرية وتفسيرية متقدمة ومبتكرة تدمج بشكل متناغم بين الرؤى والمقاصد الشرعية السامية، التي ترتكز على العدل وأدوات التحليل الاقتصادي الصارم المبني على البيانات، مما يعزز بقوة صناعة السياسات الاقتصادية السليمة وصياغة التشريعات المحكمة والقابلة للتطبيق في الدول والمجتمعات التي تستلهم أنظمتها وقوانينها من مبادئ الشريعة الإسلامية الخالدة الصالحة لكل زمان ومكان.

 

التحليل الاقتصادي للشريعة في البرامج الأكاديمية:

إن الحاجة المتزايدة والمتنامية في عصرنا الحالي إلى سن تشريعات إسلامية رصينة ومحكمة تسعى إلى تحقيق أهداف المجتمع وتطلعاته بكفاءة عالية وفاعلية ملموسة، وتلبي في الوقت ذاته المقاصد الشرعية السامية للأنشطة الاقتصادية والتجارية المتنوعة في بيئة المجتمع المسلم، تبرز وبشكل ملح للغاية الأهمية القصوى والضرورة الأكاديمية والمنهجية الحتمية لإدراج مقرر "الشريعة والاقتصاد"، أو ما يُعرف في الأوساط الأكاديمية بـ "التحليل الاقتصادي للتشريعات الإسلامية"، كجزء أساسي ومحوري لا غنى عنه ضمن الخطط الدراسية الشاملة لبرامج الاقتصاد الإسلامي المعتمدة في مختلف المؤسسات التعليمية والجامعية.

ويتكامل هذا المقرر النوعي بشكل تام ومنسجم مع مقرر "الاقتصاد السياسي الإسلامي"، الذي يهدف بدوره إلى توجيه وإرشاد المؤسسات الاقتصادية المتعددة، سواء كانت مؤسسات تعمل في القطاع السوقي أو غير السوقي، لإدارة الموارد الاقتصادية والمالية وإعادة توزيعها من قبل الدولة ومؤسساتها، بغية تحقيق الأهداف الكلية والاستراتيجية للمجتمع المسلم بما يتوافق انسجامًا كاملًا مع المقاصد الشرعية الكبرى في استغلال هذه الموارد الثمينة والمحافظة عليها وتنميتها.

إن دراسة مقرر التحليل الاقتصادي للتشريعات الإسلامية سيزود الطالب الجامعي والباحث المتخصص بحصيلة معرفية واسعة ومجموعة متكاملة من الأدوات العلمية والمنهجية الحديثة والمتطورة التي تؤهله بكفاءة عالية واقتدار كبير لتحليل وتفسير وفهم كافة الآثار والتداعيات الاقتصادية المختلفة والمتشابكة المترتبة على تطبيق الأحكام الفقهية والتشريعات الشرعية وتنزيلها في أرض الواقع العملي المعاش. فضلًا عن ذلك كله، فإنه يوفر مساحة حقيقية وبيئة خصبة للربط الوثيق والفعال بين التأصيل الفقهي الدقيق، المستنبط من النصوص، والتحليل الاقتصادي العميق والموضوعي، بالإضافة إلى استيعاب وتطبيق مناهج الدراسات البينية المتداخلة التي باتت تشكل اليوم بلا شك أحد أهم الاتجاهات المعاصرة والمسارات الرئيسة والمبتكرة في ميدان البحث العلمي والأكاديمي على مستوى العالم.

وفي السياق ذاته، يسهم هذا المقرر النوعي والمتميز بفاعلية كبيرة وبشكل مباشر وحيوي في بناء وإعداد جيل جديد من الباحثين والخبراء والمفكرين الواعدين القادرين بكل ثقة على دراسة وتقييم مختلف التشريعات الإسلامية والنوازل المالية المستجدة من منظور شامل ومتكامل يجمع بشكل متوازن بين سلامة التأصيل الشرعي المستمد من مصادره الأصلية المعتبرة، ودقة التحليل الاقتصادي المبني على أسس علمية رصينة ومؤشرات دقيقة.

ومن شأن هذا التوجه الاستراتيجي أن يعزز بقوة ويرتقي بمستوى الإسهام العلمي والعملي لمنظومة الاقتصاد الإسلامي ككل في سبيل معالجة القضايا والمشكلات الاقتصادية المعاصرة والمعقدة التي تواجه المجتمعات وإيجاد حلول مبتكرة وعملية وناجعة لها، كما يدعم بقوة غير مسبوقة جهود تأسيس حقل معرفي وتطبيقي واعد ومستدام يتمتع بالاستقلالية والمرونة، وهو حقل يستحق بلا ريب تسليط الضوء عليه بشكل مكثف ومنحه مزيدًا من الاهتمام الأكاديمي والبحثي والتطوير المستمر في المستقبل المنظور والبعيد لتلبية احتياجات الأمة.

 

* الأستاذ الدكتور عبد الرحيم عبد الحميد الساعاتي هو عالم وأكاديمي سعودي بارز، ويُعد من الرواد المؤسسين لمعهد الاقتصاد الإسلامي بجامعة الملك عبد العزيز بجدة، حيث شغل منصب نائب مدير مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي وترأس هيئة تحرير مجلته العلمية. تركزت مسيرته البحثية على تأصيل مناهج البناء المعرفي للاقتصاد الإسلامي، والتحليل الاقتصادي للقانون، وتطوير الأنظمة النقدية والتمويلية، وهو صاحب رؤية تجديدية تدعو إلى صياغة علم اقتصاد مستمد من النص القرآني مباشرة بدلاً من الاكتفاء بأسلمة النظريات الاقتصادية الغربية.

قيّم هذا المقال
(0 أصوات)
آخر تعديل بتاريخ الإثنين, 13 يوليو 2026 19:43