الولاية المقيدة [1] للسلطة العامة [2] في الإسلام*
١ - مقدمة: (أهمية البحث - دعاوى المستشرقين).
٢ - حقيقة تقييد السلطة العامة في الإسلام: (حقيقة ذلك وأسسه).
٣ - نتائج تقييد السلطة العامة: (أثره في تكوين الجهاز الحاكم - تصرفاته ورقابتها ومسئوليته - وفي حريات الأفراد وحقوقهم).
مقدمة
لا يكاد يكون هذا البحث إلا تفتيحًا لموضوع من أهم موضوعات نظرية الحكم في الإسلام. ولا يتسع هذا المجال للوفاء له بكل حقه، فهو واسع المجال متشعب النواحي، بحيث يتعذر تغطيته في بحث واحد.
وتقييد الولاية العامة من أهم المعالم التي تحدد الوصف الدستوري والإداري الذي يسود دولة من الدول، فهو الذي يجعلها دولة استبدادية أو مستنيرة، وهو الذي يجعلها دولة قانون أو دولة ضبط[3]. وبقدر تقييد السلطة العامة، تنتصر الحرية في النظام السياسي والقانوني للدولة، فمن المعلوم: أن مجال الحياة العامة يتنازعها حيزا السلطة والحرية، وبقدر ما يتسع أحد الحيزين ينكمش الآخر، فإذا انفرط مجال السلطة، تقيدت الحرية، وانزوت حقوق الأفراد. وإذا اتسع مجال الحرية، فرض ذلك على السلطة العامة قيودًا تحددها، وتنظم استعمالها، وتصير بذلك خاضعة لسيادة القانون[4].
وبذلك: فإن الحكم على مدى التقدم والحرية في نظام من النظم، معياره استقصاء مدى تقييد الولاية العامة فيه، وبقدر تقييدها تكون سيادة القانون، واحترام الحرية.
وقد اتهم بعض المستشرقين دولة الإسلام، بأنها دولة استبدادية -[5] وغرَّهم في ذلك المقارنة بين الإسلام ونظام عرفوه في العصور الوسطى، باسم نظام التفويض الإلهي، أو نظام الحق المقدس للملك[6]، والذي كان الملوك يزعمون بمقتضاه لأنفسهم، أنهم خلفاء الله في الأرض، وأن حقهم مستمد منه -سبحانه وتعالى-، فليس لأحد أن يناقشهم أو يعقب عليهم. فإنهم وجدوا أن رئيس الدولة الإسلامية، يسمى الخليفة، وأن الله -تعالى- قال في كتابه الكريم: "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً".
وأنه -تعالى- قال أيضًا: "يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ".. فظنوا أن هذا وذاك أمر واحد، وأن الأمر في النظامين قام على الاستبداد. وذهلوا عن أن الحكم الإسلامي مقيد بالعدالة، وأن سلطة رئيس الدولة الإسلامية، وعماله، وجميع الأوضاع في الإسلام مقيدة بالشريعة الإسلامية، مرفقة بجزاءات الإبطال والمسئولية عند المخالفة.
ولا شك: أن هذه الدعاوى الضارة، يجب القضاء عليها، وإظهار وجه الحق فيها ببيان حقيقة نظام الإسلام من حيث مدى تقييد السلطة العامة فيه.
حقيقة تقييد السلطة العامة في الإسلام
وإن حقيقة تقييد السلطة العامة في الإسلام أظهر من أن نحاول إثباتها، فإن أصول الإسلام وتركيب نظامه، تحتم تقييد السلطة، في الجماعة الإسلامية.
وإننا في ذلك: نذكر ثلاث حقائق، يتميز بها نظام الإسلام، عن النظم الحديثة ويختلف بسببها اختلافًا جوهريًا.
وأول هذه الحقائق:
أن الدولة الإسلامية وليدة الشريعة الإسلامية، أي: أن الدولة وليدة القانون في الإسلام وليس القانون وليد الدولة، كما هو مقرر في أغلب النظريات الحديثة، ففي النظم الوضعية: تنشأ الدولة أولًا، ثم تسن القوانين عقب نشوء الدولة وأجهزتها.
وهذا المنطق الواقعي الطبيعي، جعل أصحاب النظريات الوضعية يعتبرون القانون صنيعة السلطة، حتى بالغ بعضهم -ممن نسميهم بأصحاب النظرية الشكلية- يقررون: أن علة القانون ومصدر احترامه هو شكله، وصدوره من السلطة العامة. وأن طابع الدولة وختمها -وليس اعتبارات العدالة- هي التي تعطي للقانون قوته.
وقال من يسمون بأصحاب المدرسة الفردية: إن السلطة التشريعية الوضعية مطلقة الحرية بلا حدود، في أن تسن من التشريع ما تشاء.
وهذه النظريات لا تتفق مع منطق الإسلام، فقد نزل الوحي أولًا على النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم تتكون دولة الإسلام بعد ذلك إلا بعد هجرته إلى المدينة[7] - فكانت الدولة وليدة النظام ومقيدة بها، ولذلك: فإن تقييد السلطة العامة في كافة مظاهرها، وتقييد جميع الحقوق والحريات والأوضاع العامة، والفردية في الإسلام. هو: خصيصة أصيلة في هذا النظام لا تعرفها النظم الوضعية، ولا تتفق مع منطقها وافتراضاتها ومسلماتها.
وثاني هذه الحقائق:
أن النظام الإسلامي -وإن كان يفترض قيام الدولة- إلا أن المسلمين مخاطبون بالشريعة ولو لم تكن ثمة دولة إسلامية. فالإسلام قابل للتطبيق بدونها، فليس عدم وجود دولة إسلامية شرطًا لتطبيق الإسلام، أو عذرًا لعدم تطبيق أغلب أحكامه. فإن الله -تعالى- أنزل هذا الدين، ليأخذ به المسلمون، في أي وضع، وأي زمان، وأي مكان، فلا يشترط وجود دولة الإسلام لتطبيق أحكامه، وإذا فسدت الأحوال، أخذ كل إنسان نفسه بأحكام الدين، ولذلك نجد: أن الفقهاء يتعرضون دائمًا لحالة عدم وجود نظام الإسلام[8]. ويقررون الأحكام احتياطًا، عند عدم وجود حاكم، ولا يتركون الأمور فوضى عند ذلك.
ولذلك: فإن الدولة والأفراد في النظام الإسلامي مخاطبون بأحكام الشريعة على قدم المساواة، مما يجعل سيادة القانون في هذا النظام حقيقية، وشاملة، وعامة في مجالي القانون العام والخاص، وهو أمر اعترفت به بعض النظم الحديثة، كالنظام الأنجلوساكسوني، دون بعضها الآخر كالنظام اللاتيني. وليس عندنا في الإسلام تفرقة أساسية، تجعل أحكام القانون العام بامتيازاته المختلفة، مغايرة لأحكام القانون الخاص، حتى إن الفرد وجماعة المسلمين لهم ولاية عامة، أو اختصاص مباشر في رعاية مصالح الجماعة، بقوله -صلى الله عليه وسلم- «كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته». وهذه الحقيقة: تؤدي إلى أقصى درجات إخضاع الدولة للقانون والقضاء، إذ تتقيد الولاية العامة بذات القواعد التي يتقيد بها الأفراد.
وثالث هذه الحقائق:
وهي نتيجة للحقيقتين السابقتين: أن الشريعة الإسلامية تسود جميع التصرفات العامة والخاصة في هذه الدولة الإسلامية على سواء. فليس لتصرف عصمة أو تقدم بسبب شكله.
فالشريعة الإسلامية سيدة جميع التصرفات الصادرة من الإمام: (رئيس الدولة)، أو غيره من الولاة، أو الأفراد على قدم المساواة. وأما في القانون الحديث: فهناك تدرج[9] في التصرفات. فالدستور في النظام الحديث هو: القانون الأسمى والأعلى في الدولة، والقانون الصادر من السلطة التشريعية: معصوم من الطعن فيه بالإلغاء أمام القضاء، بسبب شكله[10] - واللوائح وسائر التصرفات العامة والخاصة، متدرجة أيضًا فيما بينها. وأما في النظام الإسلامي فجميع القواعد التنظيمية والتصرفات مقيدة بالشريعة الإسلامية، وهذا من شأنه: أن يعم قيود المشروعية في الإسلام، ويرسيها إلى الأعماق، في جميع أوضاع الدولة الإسلامية وتصرفاتها.
ولذلك كله: فإن تقييد السلطة العامة في الإسلام: أمر أصيل فيها، وليس نظريًا ولا افتراضيًا، فلا يسلم نظام الإسلام على وجهه، إلا بإنزاله، والاعتراف به، وليس لنا فيه حل ولا ربط. فهو أمر واقع محتوم.
الأسس التي يقوم عليها تقييد ولاية السلطة العامة في الإسلام:
فإذا أردنا أن نحدد الأسس أو المظاهر التي تبلور تقييد ولاية السلطة العامة في الإسلام: لوجدنا أهمها أربعة:
(١): صيانة السلطة التشريعية - وهو بديل عن الفصل بين السلطات[11] وتقييد السلطتين التنفيذية والتشريعية.
(٢): إن الولاية العامة منوطة بمصلحة الرعية - وهي: نتيجة لهيمنة المقاصد الشرعية على النظام الإسلامي.
(٣): خضوع الدولة والأفراد لقانون واحد.
(٤): ممارسة الأفراد لاختصاصات الولاية العامة.
1) صيانة السلطة التشريعية
فالسلطة التشريعية في النظام الإسلامي مصدرها: الله -تعالى-. أنزلها على نبيه في كتابه الكريم، وأظهرها على لسانه بالوحي، في صحيح سنته.
وقد اقتصر عهد التشريع على عهد الرسالة: عند الجمهور. فلا يكون بعد ذلك إلا اجتهاد، في حدود الكتاب والسنة.
وهذه الصيانة تؤدي إلى الفصل التام بين: سلطة التشريع، وسلطتي: التنفيذ، والقضاء. وهو الفصل الجوهري الذي يستقيم به النظام.
وقد فطنت النظم الحديثة إلى ضرورة الفصل بين السلطات، كوسيلة للحد من تغول الأداة الحاكمة، التي كانت تجمع قديمًا بين التشريع، والتنفيذ، والقضاء. فكان الحاكم يضع من القواعد التشريعية ما يشاء، وفي أي وقت يشاء، ويلغيها، أو يعدلها، أو يستثني منها بإرادته كيفما شاء. ثم يقضي بمقتضاها، وينفذها بمشيئته، ووسائله، جامعًا ذلك كله وحده.
وقد كانت أول وسائل تقييد السلطة العامة، هو: الفصل بين هذه السلطات، وتفريقها منعًا من الانفراد بها. وفي سبيل ذلك: جعلت السلطة التشريعية -وهي أم السلطات- في يد أعلى السلطات، وهي الشعب الذي تمثله المجالس الشعبية المنتخبة[12]. ثم عمدت إلى صيانة السلطة القضائية، عن طريق إيلائها ضمانات عدم العزل والاستقلال.
وأما السلطة التنفيذية فهي: تخضع لرقابة السلطتين الأخريين، وتعقيبهما، ولكنها تتمتع بامتيازات معينة، واستقلال يمنع من التدخل في عملها، بالتعطيل أو الإيقاف، إلا في حدود معينة، يجيزها القانون.
ومن هذا يتبين: أن أقدس هذه السلطات وأعلاها، هي: السلطة التشريعية. وهي أوفرها ضمانات وأعلاها.
ذلك: لأن العمل التشريعي، هو: الذي يضع النظام الدائم للمجتمع. فهو الذي يسبغ عليه صورته العامة الدائمة، وهو الذي يضع الأساس الدائم للمجتمع، وتستمد منه سائر الأوضاع النظامية والفردية، بسبب ما تتصف به من العموم والدوام.
وأما العمل القضائي فهو في الحقيقة: تنفيذ للتشريع، كما أنه أسير التشريع ووليده؛ لأن توزيع العدالة وإدارتها، إنما يتم بعمل تشريعي. والعمل الإداري والتنفيذي دون ذلك؛ لأنه معزول عن التعرض للحريات، والملكية والحقوق الخاصة.
ولكن الواقع هو: أن ما شرعته النظم الوضعية لحماية السلطة التشريعية غير كافٍ إلى الآن بل هو صوري وهمي، لحد كبير.
فالسلطة التشريعية المنوطة بأعضاء المجالس النيابية الشعبية، تقع دائمًا تحت تأثير السلطة التنفيذية؛ لأن السلطتين تأتيان وتتشكلان دائمًا في حركة عامة واحدة، هي: الانتخابات العامة، أو الحركة الثورية، وهذه المناسبات: تسفر عن تكوين السلطتين التشريعية والتنفيذية من لون واحد.
هذا: فضلًا عن التأثيرات المعروفة، التي تتأثر بها إرادة الناخبين. وفي جميع الأحوال تخضع النظم كلها لإرادة شخص واحد، أو فئة قليلة، هي: التي تهيمن على كل الأوضاع.
والنتيجة العملية لذلك: هي: أن الجهاز التشريعي بهذه الصورة يكون قابلًا للانحراف فينساق وراء الإرادة الحاكمة، ويصدر من التشريعات ما تتطلبه.
وبسبب ذلك: يقوم الصراع عند تغير العهود، وتسفك الدماء، وتهدر الحقوق، وتقوم الثورات والحروب، وهو أمر جلل جسيم، يكلف الإنسانية كثيرًا من الويلات.
وهذا أمر يعصمنا منه الإسلام، إذ إن جهاز التشريع لا يمكن الاستيلاء عليه، والانحراف به، في هذا النظام. بل إن حدث ذلك: فإنه يكون واضح الغصب، وعدم المشروعية. ولذلك يظل النظام ثابتًا بمقوماته وأصوله مهما فسد التطبيق.
وقد علم الله -سبحانه وتعالى- أن مصالح الناس أقدس من أن تترك لحكمهم، ولنزعات الفلاسفة وأهواء المفكرين والحكام، وأن اصطناع سلطة تشريعية زمنية مهما أحيطت بالضمانات لا تعتصم من الانحراف، ومسايرة المصالح غير المشروعة. ولذلك: تولاها برحمة منه، ولم يتركها للناس، فهي أدق من أن يحكموا فيها برأي سليم. ومن أجل ذلك: حفظ الله -تعالى- لنفسه التشريع في أصول هذه الحياة وأسسها، وكانت فترة الرسالة هي: فترة التشريع.
وانقضت بوفاته -صلى الله عليه وسلم-، وثبات السلطة التشريعية، وهيمنتها بهذا الشكل، يجعلها بمنأى من أيدي الحكام، وفوق مستوى أيديهم وتلاعبهم فيها، فيخضعون لها، ولا يتأتى لهم السيطرة عليها. وهو ما يؤدي إلى توكيد تقييد الولاية العامة، وإخضاع السلطة العامة للقوانين، إخضاعًا حقيقيًا.
وفضلًا عن ذلك: فإن العمل القضائي، والعمل التنفيذي يتقيدان بما يضعه الإسلام من شروط التعيين، التي تضمن حسن الاختيار، وفيما يفرض على ولاة الأمور من المسئولية، وإبطال أعمالهم المخالفة للقانون، كما نراه في موضعه.
2) إناطة الولاية العامة بمصلحة الرعية
ولما كانت السلطات العامة في الإسلام مقيدة بأصول الشرع ومقاصده، وكانت هذه المقاصد تقوم على: تطبيق النصوص، وجلب المصالح، ودرء المفاسد، بحفظ الضرورات، وتحقيق الحاجيات والتحسينات في الدين، والنفس والنسل والعقل والمال، فإنه لذلك: عبَّر الفقهاء عن وجوب مراعاة المصلحة العامة، بقولهم: "تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة"[13]، بمعنى: أنه لا يجوز له أن يتصرف في أمر على وجه آخر غير المصلحة. فإذا كان له خيار في أمر من الأمور، فإنه ينفذ رغبة ما هو نظر للمسلمين، وما فيه مصلحة لهم فتقديره ليس مطلقًا، بل عليه اختيار الأصلح والأفضل، وإلا كان عمله ردًا، وجاز في أحوال: أن يتحمل تبعته.
وهذا الوجه: يقابله في القانون الحديث، ما يجب من مراعاة المصلحة العامة في القرار الإداري، وإلا كان باطلًا لعيب الانحراف، أو التعسف في استعمال السلطة؛[14] لأن هذا العيب يتحقق، متى قصد مصدر القرار غرضًا آخر، غير المصلحة العامة، بأن كان تصرفه لصالحه الشخصي، أو لهوى في نفسه، أو لموجدة فيه. وهو كما سنرى، معروف في الإسلام.
3) خضوع الدولة والأفراد لقواعد واحدة
فليس في الإسلام ازدواج في القانون، ولا يقوم فيه قانون إداري، إلى جانب القانون العادي، الذي يخضع له الأفراد، شأنه في ذلك، كشأن النظام الأنجلوساكسوني، المطبق في بريطانيا، ومن حذا حذوها، وهو نظام أوكد في حماية الحريات، وإعلاء سيادة القانون وأعرق في احترام الحقوق. ولذلك: فإنه في الإسلام تطبق على العلاقات الإدارية ونحوها ذات القانون الذي يطبق على العلاقات الفردية.
بل إن النظام الإسلامي يضرب في ذلك بسهم أعلى، لم تبلغه القوانين الحديثة، ويعسر أن تبلغه، لأنها لابد أن تحتاط للدوافع السياسية؛ ففي النظم الحديثة ما يسمى: بأعمال السيادة[15]، وهي التصرفات التي تصدر من الجهة العليا المختصة بالأعمال السياسية، وتدابير الأمن الداخلي والخارجي، ومنها: عقد المعاهدات، وما يتعلق بالحرب، والتمثيل السياسي وتشكيل السلطة التشريعية ونحو ذلك. فهذه معصومة من الطعن فيها، أمام القضاء. وإن جاز -على خلاف- التعويض عن الأضرار الناشئة بسببها.
ولكنها لا تصادف مثل هذا القيد في الشريعة الإسلامية، وقد نقل عن ابن الأثير[16]: أن أهل سمرقند شكوا من أن قتيبة بن مسلم -القائد الإسلامي- قد قاتلهم قبل أن يعرض عليهم الإسلام أو العهد.
قال ابن الأثير: «فقال أهل سمرقند لواليهم: إن قتيبة ظلمنا، وغدر بنا، وأخذ بلادنا، وقد أظهر الله العدل والإنصاف، فأذن لنا، فليقدم منا وفد على أمير المؤمنين. فأذن لهم، فوجهوا وفدًا إلى عمر، فكتب إلى سليمان وإليهم: إن أهل سمرقند شكوا ظلمًا، وتحاملًا من قتيبة عليهم، حتى أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابي فأجلس لهم القاضي، فلينظر في أمرهم فإن قضى لهم، فأخرج العرب إلى معسكرهم كما كانوا قبل أن يظهر عليهم قتيبة» فأجلس لهم سليمان القاضي، فقضى أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم وينابذهم على سواء، يعني بعد الإخطار، فيكون صلحًا جديدًا، أو ظفرًا بعنوة، فقالوا بل نرضى بما كان، ولا نحدث حربًا، وتراضوا بذلك».
فهذه واقعة تعتبر في القانون الحديث من أعمال السيادة، وللدولة فيها سلطة مطلقة تقديرًا للاعتبارات الحربية، ولا يجوز الترافع فيها للقضاء قولًا واحدًا، في جميع التشريعات الحديثة.
ولكننا كما قررنا -لم نعثر للاحتراز لأعمال السيادة على أثر في الشريعة الإسلامية- والله أعلم بذلك -مما يدل على شدة اعتبارها سيادة القانون، وإخضاعها للدولة تمامًا- لما يخضع له الفرد بلا فارق.
حقيقة: أن الشريعة الإسلامية تجعل الصالح العام مقدمًا على الصالح الخاص، وتجعل للسلطة العامة حقوقًا في إجبار الأفراد للمصالح العامة، ولكن ذلك لا يجعل للدولة قانونًا منفصلًا عن القانون العادي؛ لأن الولاية الخاصة والعامة عندنا نوع واحد، وربما كانت الولاية الخاصة أوكد -وتجعل للفرد حقوقًا عامة مباشرة- كما سنرى من ذات الفصيلة والنوع، الذي تستعمله السلطات العامة.
فالمسلمون كلهم حاكمًا ومحكومًا بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولذا كما قدمنا قد تقوم الجماعة أو أحد الأفراد بما تقوم به الدولة عند عدم الحاكم[17].
والقضاء في الإسلام واحد، فقاضي الأفراد هو قاضي الدولة، وإن كان الإسلام قد عرف ما يسمى: بديوان المظالم، ولكن طبيعة ولايته تختلف عن ولاية القضاء، فقد كان يحكم بالأمارات (أي القرائن)، وكان له أن يتصرف في القضايا، بما يشبه التنفيذ، فهو ليس كالجهة القضائية في ولايتها، مما نظن معه أنه لا يؤدي إلى ازدواج في القضاء بالمعنى المعروف الآن. وهي مسألة تحتاج للنظر والتحقق.
وهذا كله يؤدي إلى توكيد سيادة القانون، في الشريعة، وتقييد السلطات العامة فيها تقييدًا لا يمكن أن يصل إليه القانون الحديث، الذي تقف في سبيله اعتبارات رئيسية، من القيود غير العادلة التي لا تستغني عنها النظم الوضعية.
4) ممارسة الأفراد لاختصاصات السلطة العامة
والنظرية الإسلامية في هذا: أكثر تقدمًا وطرافة، من النظرية القانونية، وتبين مدى تقدم الشريعة الإسلامية في مجال الحقوق العامة.
فالدولة الحديثة تقوم على احتكار الدولة للسلطة، فلا يعترف لغيرها بممارسة هذه السلطة إلا عن طريق الاشتقاق منها. فالفرد لا يستعمل هذه السلطة إلا كعضو في إحدى الهيئات العامة، كأن يكون ناخبًا في هيئة الناخبين، أو عضوًا في السلطة التنفيذية أو التشريعية أو القضائية، على اختلاف التشكيلات التي تتكون منها هذه السلطات، أو كأن يكون ملتزمًا بمرفق عام، أو نحو ذلك من الأوضاع المنبثقة عن السلطة العامة. ولكن لا يتأتى في القانون الحديث أن يكون للفرد -كفرد بمفرده- سلطة عامة. وهو أمر معترف به في الشريعة الإسلامية كما رأينا. وأساس ذلك، أن المسلم مكلف مباشرة بالصالح العام، على وجه الكفاية، فإن لم يقم أحد من المسلمين بذلك، أثم الناس جميعًا. وبسبب وجود الإثم العام والمسئولية العامة، كان لابد أن يكون للفرد وسيلة، يدفع بها عن نفسه، وعن المسلمين هذا الإثم: وذلك: بقيامه بالمصالح والمرافق العامة، وعقده الأمان، ورفعه دعوى الحسبة.... وكل ذلك باسمه الفردي، وليس في القانون الحديث تقريبًا[18] تمكن الفرد من الوقوف ضد تحكم السلطة العامة، أو إهمالها، وهو تقدم شديد... أحسب أنني عرضت له من قبل، في بحث سابق قدمته لمؤتمر علماء المسلمين، عام ١٩٧١، والله ـ تعالى ـ ولي التوفيق.
وبذلك: تتكامل أمامنا صورة واضحة، مبينة عن مظاهر تقييد السلطة العامة، الأمر الذي نحسب أنه فاق التنظيم الحديث، وسبقه بكثير، ولم يبلغ آفاقه وشأوه، وذلك بسبب رقي الشريعة الإسلامية في صياغتها وتركيبها.
وتطبيقا لما تقدم: نعرض بعض نتائج هذا التقييد، بما يبين مداه، وانتظام أمره وصلى الله على سيدنا محمد.
نتائج تقييد السلطة العامة
ومن الصعب علينا أن نجمع نتائج تقييد السلطة العامة في النظام الإسلامي؛ لأن هذا الأصل يضفي لونًا عامًا، وظلًا شاملًا، على هذا النظام، في كل فروعه.
ولكننا نستطيع أن نطرق هذه النتائج، في أمور ثلاثة:
(أحدها): في تكوين الجهاز الحاكم.
(ثانيها): في الرقابة على التصرفات العامة، والمسئولية عنها.
(ثالثها): في حريات الأفراد وحقوقهم.
أولًا: أثر تقييد السلطة في تكوين الجهاز الحاكم
ونتيجة لتقييد السلطة في الدولة الإسلامية بالمثل الإسلامية السامية، فإن الإسلام قد عني باشتراط أعلى صفات النزاهة والكفاية والصلاحية في العاملين: إمامهم وولاتهم وعمالهم، وذلك حتى تتوفر البيئة العامة الصالحة لتطبيق أحكام الإسلام.
فما يشترط في الإمام: قال الماوردي[19]: العدالة على شروطها الجامعة. والعلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام، وهما شرطان واسعان فيما يتطلبانه من الشروط الكثيرة الدقيقة. وذلك فضلًا عما يشترط فيه من سلامة الحواس: من السمع والبصر واللسان والأعضاء والرأي المفضي إلى سياسة الرعية، وتدبير المصالح، والشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة. وجهاد العدو والنسب القرشي، لما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الأئمة من قريش».
وتعتبر هذه الشروط في تقليد وزارة التفويض إلا النسب[20].
وفي سائر الولايات: تشترط الشروط المناسبة لكل ولاية؛ ففي وزارة التنفيذ - التي هي وساطة وتبليغ بين الإمام والرعية، يؤدي ما أمر، وينفذ ما ذكر لا تشترط الحرية، ولا العلم، وإنما تطلب الأمانة، حتى لا يخون، وقلة الطمع، حتى لا يرتشي والسلامة من العداوة، والشحناء، حتى لا تصده عن التناصف، وتمنعه من التعاطف. والذكاء والفطنة، حتى لا تدلس عليه الأمور، فتشتبه[21].
وقد أمر الحكام أن يستبطنوا أهل الخير، وأن يحيطوا أنفسهم بأهل الدين والعلم فيحسنوا له النصيحة.. لما رواه الإمام البخاري في: (كتاب الأحكام) عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما استخلف خليفة إلا له بطانتان، بطانة تأمره بالخير، وتحضه عليه[22] وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله». ولقوله -عليه الصلاة والسلام- أيضًا: «ما من عبد استرعاه الله رعية، فلم يحطها بنصيحة، إلا لم يجد رائحة الجنة».[23] في (صحيح البخاري أيضًا كتاب الأحكام).
وكذلك في الحسبة -وكل الولايات مشتقة منها، كما قال ابن القيم في الطرق الحكمية. فشروطها: أصل في شروط الولايات- يشترط أن يكون خبيرًا عدلًا ذا رأي وصرامة وخشونة في الدين، وعلم بالمنكرات الظاهرة، واكتفى البعض بذلك، عن أن يكون عالمًا من أهل الاجتهاد في أحكام الدين[24].
وأما القضاء: فلا يتقلده إلا من تكاملت فيه عند الماوردي[25] سبعة شروط وهي: أن يكون ذكرًا بالغًا، وفي قضاء المرأة كلام في المذاهب.
وأن يكون صحيح التمييز، جيد الفطنة، بعيدًا عن السهو والغفلة، حتى يتوصل بذكائه إلى إيضاح ما أشكل، وفصل ما أعضل، فلا يكتفى فيه بالعقل الذي يتعلق به التكليف.
واشترطوا فيه ثالثًا: الحرية، فلا يكون قنًا، لأن نقص ولاية العبد على نفسه تمنع ولايته على غيره.
وكذلك اشترطوا: أن يكون مسلمًا، لقوله تعالى: "وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا".
وخامسًا: أن يكون جامعًا لشروط العدالة المعتبرة في كل الولايات، وأن يكون صادقًا، ظاهر الأمانة والعفة عن المحارم، متوقيًا للمآثم، بعيدًا عن الريب، مأمونًا في الرضا والغضب، مستعملًا للمروءة في دينه ودنياه.
وسادسًا: سلامة البصر، على خلاف في الأقوال.
وسابعًا: أن يكون عالمًا بالأحكام الشرعية: علمًا يشتمل على أصولها وفروعها.
وهذه الشروط معتبرة - في جملتها، وعلى خلاف طفيف -عند الجمهور- وهي تشهد بحرص الشريعة على ضمانات حسن الاختيار، حتى يتولى الأمر من هو أهل له، وهذا من شأنه أن ينشئ القيود الذاتية الأدبية، التي يتوفر معها الضمير الإداري، والعام، لدى العامل في الدولة.
وقد سئل النبي -صلى الله عليه وسلم-: متى تقوم الساعة؟ قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قيل: وكيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر لغير أهله» (صحيح. رواه الإمام البخاري في كتاب العلم)[26]، فإن الأمر إذا أسند لغير أهله، كان صاحبها غير أمين في قبولها، ثم إنه يستر جهله بأصولها، بما يصطنعه من إظهار العلم بها، فيزيد إفسادًا فضلًا عن أنه قد يكون مفسدًا في ذاته، إذا أعوزته الأمانة والعفة، ونحوها من الصفات اللازمة للولايات العامة.
وروي عن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: «أقبلت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعي رجلان من الأشعريين: (أهل قبيلته وهم من اليمن) قال أبو موسى: ما علمت أنهما يطلبان عملًا. (يعني أنهما لم يخبراه سلفًا بذلك، بل فوجئ به في حضرته - صلى الله عليه وسلم) فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لن أو لا نستعمل على عملنا من أراده». (رواه الإمام البخاري في الإجارة)[27].
وعن عبد الرحمن بن سمرة - رضي الله عنه - وكان سأل الرسول -صلى الله عليه وسلم- عملًا - فقال له: «يا عبد الرحمن بن سمرة: لا تتمنين أو لا تسأل الإمارة، فإن أعطيتها عن مسألة، وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة، أعنت عليها.» (رواه الإمام البخاري في الفتن وفي الأحكام)[28].
وفي ترهيب العمال وتحذيرهم، ما رواه أسامة بن زيد -رضي الله عنه- قال: «سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور، كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه. فيقولون: أي فلان، ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه. (صحيح البخاري - بدء الخلق).
فهذا حال من أتى واجبه، وقام به في غيره، فكيف بمن لم يقم به وسكت عن الأمر أو النهي؟ وكيف بمن أمر بالمنكر ونهى عن المعروف؟ ثم كيف بمن أراد الأمور عوجًا وصد عن سبيل الله - تعالى -؟ فإن العامل لا يكفيه أن يقوم بأمر الله ظاهرًا، حتى يقوم به في نفسه باطنًا وحقيقة.
ولا شك أن ذلك يزيد ذلك القيد الأدبي على ضمير الجهاز الحاكم، بما لا يحتاج لمزيد بيان.
ثانيًا: رد التصرفات العامة والرقابة والمسئولية عليها
تبطل القرارات الإدارية في القانون الحديث، متى كانت مشوبة بعيب التجاوز في السلطة[29] أو بعيب إساءة استعمال السلطة، أو الانحراف فيها[30].
وهذان العيبان عرفتهما الشريعة الإسلامية، فإن ما يجريه ولي الأمر خلافًا لأحكام الشرع يكون باطلًا، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من جاء في أمرنا هذا بما ليس منه، فهو رد»[31] (باطل) وبه ترجم الإمام البخاري -رضي الله عنه - في صحيحه- كتاب الأحكام - بقوله: «إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد». وأورد فيه حديث ابن عمر، لما جعل خالد بن الوليد -رضي الله عنه- يقتل، ويأسر في بني جذيمة. بعد أن قالوا: صبأنا -، ولم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا- فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد»[32] وقد شدد الإسلام في ذلك، حتى جاء في كتاب الزكاة، لأبي بكر -رضي الله عنه-: هذه الزكاة التي أمر بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فمن سئل فوقها، فلا يعطى، (صحيح البخاري كتاب الزكاة - بمعناه)[33] أي أنه أباح للفرد الامتناع عن تنفيذ الأمر الباطل. وهو ما يجعله في مرتبة الانعدام[34]: لا البطلان فقط. لأن القرار الإداري: إذا كان باطلًا فقط، فإنه يجب تنفيذه، إلى أن يصدر حكم بوقف تنفيذه أو إلغائه، أما القرار المنعدم: وذلك كما في حالة غصب السلطة[35] فللفرد عدم تنفيذه، لا المقاومة التي لا تجوز، إلا في بعض التشريعات الأخرى، بشروط خاصة.
وكذلك: نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الأثرة (بضم الألف وكسرها) (وسكون الثاء، أو فتح الألف والثاء) وهي من الاستئثار، أي: المحاباة، واتخاذ المصلحة الخاصة، حتى يستأثر نفسه، أو من يحب بالمصلحة، وهي: ما تقابل معنى التعسف في استعمال السلطة السابق ذكره. وقد ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك قوله: «إنكم سترون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا، حتى تلقوا الله -تعالى- ورسوله -صلى الله عليه وسلم- على الحوض». وقال ذلك في مناسبات عدة، لما اعترضوا عليه في قسمة أموال هوازن بالجعرانة، (صحيح البخاري - كتاب الخمس)[36]، ولما طلب عبد الرحمن بن سمرة الولاية (الحديث السابق)، ولما أمر أن يسقى الزبير قبل أحد الأنصار، (كتاب المساقاة صحيح البخاري)، (الحديث في باب شرب الأعلى قبل الأسفل ص ١١١ جـ ٣ طبعة أميرية).
وقد ترجم الإمام البخاري: (في صحيحه كتاب الأحكام، باب: متى يستوجب الرجل القضاء) في ذلك ترجمة بارعة، جمع منها أصولًا وأدلة، في عدم جواز التعسف. فقال: «وقال الحسن: أخذ الله على الحكام أن لا يتبعوا الهوى، ولا يخشوا الناس، ولا يشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا، ثم قرأ "يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ" وقرأ: "إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ".. إلى قوله: "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ". فكلها شواهد من كتاب الله -تعالى- فيما سبق.
وفي مسئولية العمال ومحاسبتهم، قرر الفقه بلا تردد: مسئوليتهم عن الإتلاف والغصب حتى إنه قيل لأمير المؤمنين: إن محمد بن الحسن الشيباني، كتب بابًا عن الإكراه، يعني (في كتابه المبسوط) تناولك وعمالك فيه، فحبسه في جب.
وقد شدد العلماء في هذه المسئولية، وقسوا فيها، فلا نلمس تخفيفًا فيها، كما هو الشأن في القانون الحديث. وقد ورد في صحيح البخاري: أن عبد الله بن عمر، أصابه رجل في الموسم بنصل سلاح كان يحمله، فجاءه الحجاج يعوده، فقال: من أصابك؟ قال: أصابني الذي أمر بحمل السلاح. وقد جرت السنة النبوية الشريفة، وعمل الصحابة على محاسبة العمال.. فذكر الإمام البخاري -رضي الله عنه- في كتاب الأحكام - باب محاسبة العمال حديث ابن اللتبية، وهو رجل من الأزد، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- استعمله على الصدقات، في حي من أحياء العرب، فجاء، فدفع إليهم بعض ما معه من المال، وقال هذا لكم وحبس معه بعضه، وقال: هذا أهدي لي، فعنفه النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك ثم قام، فخطب الناس، فقال: أما بعد، فإني أستعمل رجالًا منكم على أمور، مما ولاني الله، فيأتي أحدكم، فيقول: هذا لكم، وهذه هدية، أهديت لي، فهلا جلس في بيت أبيه وبيت أمه حتى تأتيه هدية إن كان صادقًا؟ فوالله لا يأخذ أحدكم شيئًا بغير حقه، إلا جاء الله يوم القيامة يحمله، ألا لأعرفن ما جاء الله رجل ببعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر ثم رفع يديه، حتى رأيت بياض إبطيه: ألا هل بلغت؟ (صحيح البخاري - كتاب الأحكام)[37].
وكذا ورد في صحيح البخاري: أن أهل الكوفة شكوا سعد بن أبي وقاص، إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فعزله، واستعمل عليهم عمار بن ياسر، فشكوه، فأرسل إليه ثم أرسل معه رجلًا، أو رجالًا إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجدًا إلا سأل عنه فيه، (صحيح البخاري كتاب الصلاة. صفتها).
وكانت إدارة الرقابة على العمال هي ديوان المظالم[38] وكانت له ولاية كاملة[39] فيما يعرض عليه قضاءً وتنفيذًا، ويحكم بالأمارات (أي القرائن)، وليس بما يحكم به القضاة فقط. وكان ينظر في تعدي الولاة على الرعية (الاعتداء المادي)[40] وجورهم في الأموال التي يجبونها، وذلك من حيث طرق جمعها ومقدارها، (وهو يشبه محكمة المحاسبات المعروفة في فرنسا في هذه المهمة)، وما يأخذه العمال لأنفسهم ظلمًا من الأموال المجباة، كما كان ينظر فيما يقدمه العمال من المنازعات في رواتبهم، واستحقاقاتهم، وتظلماتهم، وفي الغصوب السلطانية، وغصوب العمال والأقوياء من الضعفاء، ومسائل الأوقاف، وتنفيذ شروط الواقفين، وأمور الحسبة، إن تقاصر والي الحسبة فيها. فهو أوسع اختصاصًا من مجلس الدولة، في كثير من الأمور.
وبعد: فهذه لمحة توضح لنا قيمة الأحكام الشرعية في هذا المجال، والله يهدي السبيل.
لتحميل ملف الدراسة (هنا)
[1] Pouvoirs limités-limited Powers.
[2] Pouvoirs publics-public authorities.
* مصطفى كمال وصفي، "الولاية المقيدة للسلطة العامة في الإسلام"، ضمن: المؤتمر السابع لمجمع البحوث الإسلامية: الدعوة إلى الإسلام، المجلد الثاني، القاهرة، 1972م، ص 321–340.
** المستشار الدكتور مصطفى كمال وصفي (1922- 1986م) هو فقيه قانوني وقضائي ومفكر إسلامي مصري بارز، يُعد من أوائل الفقهاء الذين أصلوا للفكر الدستوري والإداري في ضوء الشريعة الإسلامية. شغل مناصب قضائية واستشارية رفيعة، من أبرزها عمله مستشارًا بمجلس الدولة المصري، ومستشارًا لوزير الحج والأوقاف في مكة المكرمة بالمملكة العربية السعودية. يتميز إنتاجه الفكري بالجمع الوثيق بين الدقة القانونية الغربية (خاصة القانون الإداري والقضاء الإداري) وبين التأصيل الفقهي الإسلامي. شارك في صياغة وتأصيل العديد من المبادئ القانونية الخاصة بالقضاء الإداري ومجلس الدولة. اختير عضوًا بالعديد من اللجان الفقهية والشرعية، ومن ضمنها لجان تقنين الشريعة بقرار من شيخ الأزهر عام 1978. ترك الدكتور مصطفى كمال وصفي مكتبة غنية من المؤلفات القانونية والشرعية، منها: "أصول إجراءات القضاء الإداري"، و"المبادئ العامة للقضاء الإداري"، و"شرح قانون مجلس الدولة"، و"النظام الدستوري في الإسلام مقارنًا بالنظم العصرية"، و"مدخل النظم الإسلامية"، و"مصنفة النظم الإسلامية الدستورية والدولية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية". (المحرر).
[3] دولة قانون état de droit. Date of law. دولة ضبط état de police. state of police. ودولة القانون هي: التي تسودها المشروعية وحكم القانون بحيث تصدر التصرفات الفردية بناء على تنظيم مسبق. ودولة البوليس هي: التي تسودها اعتبارات الأمن والملاءمة، وهي نوع الحكومات المؤقتة في أوقات الاضطرابات والظروف الاستثنائية، كما أنها تقوم أيضًا في الأوضاع غير الدستورية في الدول المتخلفة الخاضعة للهوى.
[4] Souveraineté du droit-Sovereignty of law.
[5] ممن رفعوا هذا القول، ودسوا به على الإسلام: أرنولد وسنتلانة، وموير، ومرجليوث (النظريات السياسية الإسلامية للدكتور ضياء الدين الريس صفحة ٣٢١ الطبعة الثالثة ١٩٦٠، مكتبة الأنجلو) وقد وصف أرنولد طبيعة الحكومة الإسلامية: بأنها حكومة أوتوقراطية (أي مبنية على حكم الفرد)، وأنها تقوم على الوحي الإلهي، وأن ذلك جعل على الفرد واجبًا مؤكدًا، أن يخضع للاستبداد. وقال سنتلانة: إن حكومة الإسلام هي: حكومة الله مباشرة، وأن موظفيها موظفون عند الله. وعن موير، أنه قال: إن المثال النموذجي للحكم الإسلامي، هو الحكم المستبد المطلق. وقال مرجليوث: إن مبدأ الاستبداد والأوتوقراطية قد ظلا مسلمًا بهما في الأقطار الإسلامية، حتى القرن التاسع عشر، إلى أن وصل مد الثورة الفرنسية إلى المناطق الحارة، وإن الإسلام لم يظهر فيه فكر دستوري، حتى ذلك الوقت.
[6] لما أذن الله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم- في الهجرة، طلب من الأنصار أن يبايعوه بيعة العقبة - رواه عبادة بن الصامت في صحيح البخاري كتاب الإيمان - وكان أول ما تقوم عليه هذه البيعة هي: الخضوع لحكم الله بقوله: "بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا" لأن عدم الإشراك يقتضي التسليم لحكمه وحده. ذكره البخاري في باب وفود الأنصار إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بمكة، وبيعة العقبة ص ٥٥ ج ٥ طبعة أميرية. ذكره بلفظه.
[7] بقولهم مثلًا: فيرفعه إلى الحاكم إن كان ثمة حاكم، فإن لم يكن فلجماعة المسلمين، أو لمسلم عارف بدينه. وهذه العبارات وأمثالها نصادفها في كثير من الفروع، كالحكم للمرأة بنفقتها، وفض النزاع بين الزوجين وغير ذلك. ومنه أيضًا أن الولاية تؤول في النهاية إلى عامة المسلمين، فهم أولياء من لا ولي له عند عدم السلطان.
[8] تدرج Hiérarchie - hierarchy.
[9] إلا إذا وجدت محكمة دستورية تسمح بإلغاء القانون لعدم دستوريته فإن لم توجد، فلا يتأتى إلا الدفع - بالطريق الفرعي أثناء نظر الدعوى - بعدم تطبيق القانون في دعوى معينة وذلك على أساس أن تطبيق الدستور أولى.
[10] الفصل بين السلطات Séparation des pouvoirs-Separation of powers. وهو غير تقسيم السلطات Division des pouvoirs-Division of powers. وهو مقرر في النظام الفيدرالي (الاتحادي) في توزيع السلطة بين الحكومة الاتحادية والولايات.
[11] وذلك على أساس القول: بأن المجتمع كله تأسس بإرادة الشعب بالعقد الاجتماعي. Pacte social وهو الذي حدد الحريات ونظمها، ولذلك: ولأنه يتعذر بعد ذلك جمع الشعب كله لتعديل العقد عند الحاجة لذلك، يُنتخب نواب عن الشعب، يقومون بذلك.
[12] يثير ذلك الجدل المعروف حول ما يؤدي إليه ثبات الشريعة من الجمود، وهو أمر خارج عن بحثنا. ولكن الواقع: أن جميع الأفكار قديمًا وحديثًا، قالت بخضوع التشريع لمثل عليا معينة، وتحولت عن ذلك وقتيًا، تحت تأثير أقوال فلاسفة القرن الثامن عشر (مونتسكيو)، وغيره، ولكنها عادت الآن إلى القول بثبات القانون الطبيعي، والمثل الإنسانية، ويقرر الفكر الاشتراكي بخضوع النظام الإنساني، لحتمية معينة، أثبت التطور المادي للتاريخ وجودها والتطور إليها. وقال الشاطبي في الموافقات: إن العادات الأصلية الناشئة عن الغرائز ونحوها، لا تتغير، ولكن تتغير العادات الفرعية، المتعلقة بكيفية استيفاء هذه الحاجات الأصلية، ونسبها وسرعتها، ونحو ذلك.
[13] وهذه القاعدة معترف بها عند الجمهور، وقد قننتها مجلة الأحكام العدلية وعرضها الفقيه المصري ابن نجيم الحنفي في كتابه الأشباه والنظائر، وكذا الإمام السيوطي الشافعي المصري أيضًا، في كتابه المسمى بهذا الاسم أيضًا، وقال السيوطي في ذلك: «هذه القاعدة نص عليها الإمام الشافعي، وقال: إن منزلة الإمام من الرعية منزلة الولي من اليتيم. قلت: وأصل ذلك ما قاله عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: إني أنزلت نفسي من مال الله، منزلة ولي اليتيم، إن احتجت أخذت منه، فإذا أيسرت، رددته، فإن استغنيت، استعففت»، ثم أورد فروعًا كثيرة لذلك، منها: أنه إذا أراد إسقاط بعض الجند من الديوان بسبب جائز، ولغير سبب لا يجوز. ومنها: أنه لا يجوز لأحد من الولاة أن ينصب فاسقًا لإمامة الصلوات، وإن كانت الصلاة خلفه صحيحة، لأن ذلك مكروه، ولا مصلحة في حمل الناس على مكروه. ومنها: أنه إذا تخير في الأسرى، لم يكن ذلك بالتشهي، بل بالمصلحة. ومنها: أنه لا يجوز له أن يقدم في مال بيت المال غير الأحوج على الأحوج، لقوله -صلى الله عليه وسلم- "إنما أنا قاسم والله تعالى معطي" لأن وجه الدلالة - كما قال السبكي: إن التمليك والإعطاء إنما هو من الله - تعالى - لا من الإمام، فليس للإمام أن يملك أحدًا إلا ما ملكه الله -تعالى- وإنما وظيفة الإمام القسمة، والقسمة لا تكون إلا بالعدل ومن العدل: تقديم الأحوج، والتسوية بين متساوي الحاجات، فإذا قسم بينهما، ودفعه إليهما، علمنا أن الله -تعالى- ملكهما قبل الدفع، وأن القسمة إنما هي معينة لما كان مبهمًا، كما هو بين الشريكين اهـ. وقد أورد تفصيلات أخرى وتطبيقات في هذه المسألة. تعليق: رواه الطبراني بلفظ "إنما أنا قاسم والله يعطي" الفتح الكبير جـ ١ ص ١٣٧.
[14] الانحراف أو التعسف في استعمال السلطة Détournement، وغير إساءة استعمال السلطة Abus du Pouvoir وهو يكون في الأعمال المادية، وغير إساءة استعمال الحق، أو التعسف في استعماله abus du droit وهو في الحقوق المدنية.
[15] أعمال السيادة Actes de gouvernement - sovereignty acts.
[16] أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة: ولاية المظالم في الإسلام: كتاب المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية عن الحلقة الدراسية الأولى للقانون والعلوم السياسية، في أكتوبر سنة ١٩٦٠. وقد روى مثل ذلك عن شريح رضي الله تعالى عنه، أن المسلمين دخلوا بلدًا صالحوا أهلها على ألا يدخلوها، فأجلاهم عنها.
[17] أوشك في القانون الحديث أن يغلب القول بهدم التفرقة بين القانون العام والقانون الخاص، واستبدال ذلك بالقانون التنظيمي، والقانون الفردي، لأنه: لا فارق إطلاقًا بين نوع السلطة الإدارية، وسلطة مدير الشركة، وسلطة الأب، أو ولي الأمر، في الأسرة. فالوحدات الاجتماعية كبيرها وصغيرها من نوع واحد، وطبيعة السلطة والقاعدة الموضوعية المطبقة في كل خلية من نوع واحد. وهذا التفكير يوشك أن يقترب من تفهم الشريعة وروحها الواسعة.
[18] ابتكر القانون ذلك في استعمال المساهم لدعوى الشركة باسمه الخاص Actio ut singuli فإذا أهمل مجلس الإدارة أو تواطأ مع الجمعية العمومية - أو كان أعضاؤه حائزين على أغلبية الأسهم، كان للمساهم استعمال دعوى الشركة، ورفعها باسمه الخاص، يرفع دعوى مسئولية مجلس الإدارة، أو عزله، أو نحو ذلك، من الدعاوى التي لا يملكها المساهم فرديًا وتملكها الشركة.
[19] الأحكام السلطانية للإمام الماوردي الشافعي صفحة ٦ طبعة مصطفى البابي الحلبي ١٩٦٠....، والجمهور على مثلها تقريبًا. فمفهوم القرشية: أكثرية. وكذا مفهوم اشتراط الذكورة لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- في النهي عن ولاية المرأة. صحيح رواه البخاري، فلا خلاف جوهريًا في ذلك إلا النسب. وجعل البعض شروط القضاء هي المناط وأضافوا لها ما يناسب الإمامة الكبرى. تعليق: رواه البخاري وأحمد والترمذي والنسائي عن أبي بكرة - الفتح الكبير ج 3 ص ٣٧.
[20] الماوردي صفحة ٢٢.
[21] الماوردي صفحتي ٢٥، ٢٦.
[22] تعليق (أ) الحديث ورد في صحيح البخاري ص ٧٦ من الجزء التاسع - المطبعة الأميرية باب الأحكام وصحته: "ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، فالمعصوم من عصم الله".
[23] تعليق (ب) الحديث في صحيح البخاري ص ٦٤ من الجزء التاسع - المطبعة الأميرية باب الأحكام.
[24] الأحكام السلطانية: للقاضي أبي يعلى الحنبلي صفحة ٢٨٥، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، سنة ١٩٦٦.
[25] صفحة ٦٦.
[26] تعليق: في صحيح البخاري «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» كتاب العلم ص ١٧ جـ. ١ الأميرية.
[27] تعليق: ورد في صحيح البخاري ص ٨٨ من الجزء الثالث، في باب الإجارة - أميرية.
[28] تعليق: الحديث لم يورده الإمام البخاري في كتاب الفتن، وإنما ذكره في كتاب الأحكام ولفظه: «لا تسأل الإمارة...» الحديث.
[29] التجاوز في السلطة Excès de pouvoir.
[30] إساءة استعمال السلطة أو الانحراف Détournement.
[31] انعدام Inexistence.
[32] غصب السلطة Usurpation de pouvoir.
[33] تعليق: الحديث ذكره مسلم وأحمد بلفظ «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» الفتح الكبير جـ ٢ ص ٢١٣.
[34] تعليق (ب): الحديث بكامله في صحيح البخاري ص ٧٣ جـ ٩ أميرية - بنفس الباب.
[35] تعليق (جـ): الحديث أورده البخاري في كتاب الزكاة ص ١١٨ جـ ٢ أميرية. ولفظه «هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المسلمين والتي أمر بها رسوله، فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سُئل فوقها فلا يعط.... الحديث».
[36] تعليق: الحديث ذكره البخاري في باب فرض الخمس ص ٩٤ جـ ٤ - أميرية - بلفظه.
[37] تعليق: الحديث أورده البخاري في باب الأحكام ص ٧٦ - جـ ٩ - أميرية وصحة جزء منه هي: "حتى تأتيه هديته إن كان صادقًا، فوالله لا يأخذ أحدكم منها شيئًا، قبل هشام بغير حقه..... الحديث".
[38] بحث أستاذنا الشيخ أبو زهرة - السابق ذكره.
[39] Compétence de pleine juridiction.
[40] Voie de fait.