Print this page

قراءة في فكر البشري: حول المسألة الإسلامية المعاصرة (2-3)*

By د. نادية محمود مصطفى** نيسان/أبريل 07, 2026 385 0

ثانيًا: قواعد البناء الأساسية

يجمع بين الأعمدة الأساسية السابق توضيحها قاعدة كبرى، وتتكرر هذه القاعدة في الطوابق المختلفة من البناء (الكتب الخمسة)، فيتحقق من خلالها التماسك والاتصال بين الأعمدة. وبذا يكتمل للبناء طرازه الخاص الذي يميز فكر طارق البشري بالمقارنة مع غيره حول نفس القضية.

ويمكن توصيف هذه القاعدة على النحو التالي:

إن هذه القاعدة تتمثل في التحديات المتتالية التي جابهت الأمة عبر القرنين التاسع عشر والعشرين، وأنماط الاستجابات لها سواء على صعيد الفكر أو الحركة أو المؤسسات والتنظيمات. ويقدم البشري باقتدار شديد، وبتمكن ملحوظ للعملية التاريخية التي جمعت بين هذه التحديات وهذه الاستجابات منذ نهاية القرن الثامن عشر. ويتبين من هذا التفاعل الذي تم في ظل اقتحام الغرب وما مارسه من قهر وإكراه كيفية ظهور الصدع والانقسام والازدواجية ومحاولات رأبها على مستويات مختلفة. ولقد طرح البشري هذه الثنائية: التحديات/ الاستجابات في مرحلية تاريخية ومن زوايا عدة تناظر الزوايا التي اقترب من خلالها من المعضلة الأساسية التي تشغل فكره - كما سبق التوضيح. وتجدر الإشارة منذ البداية إلى أن هذا الطرح -على تعدد مستوياته كما سنرى لاحقًا- يبرز أن أحد المنطلقات الفكرية التي يسعى البشري لتأكيدها هي أن الاستجابات المختلفة إنما تعكس طبيعة الظرف التاريخي: زمانًا ومكانًا؛ حيث إن التحديات ذاتها تختلف باختلاف هذا الظرف، ومن ثم فإن تقييم هذه الاستجابات لا يمكن أن ينفصل عن «فقه الواقع». ولقد عبر البشري عن ذلك المعنى بوضوح في مواضع متفرقة عديدة من كتبه الخمسة نذكر منها على سبيل المثال ما أورده في دراسته تحت عنوان «بين الإسلام والعروبة» (ك: ١، ص: ١٩) في معرض اقترابه من المشترك بين العروبة والإسلام عبر التاريخ والذي تطمسه ظروف الواقع الحاضر وملابساته، فهو يقول (ص: ١٩) "... لقد كانت الحركات السياسية والمفكرون يستجيبون للتحدي المطروح على مجتمعاتهم في كل ظرف تاريخي خاص، وإن أمرنا مع هذه الجهود العملية والفكرية أن نفحصها ونتبين وظائفها في الظروف التاريخية الخاصة بكل منها. وبهذا يستقيم لنا النظر في أي من الدعوات والمذاهب، نقيس فاعليتها بمقدار قدرتها على الاستجابة للتحديات التي واجهت الجماعة في ظرف ما".

كما يقول (ص: ٢٥ - ٢٦): "تنقلنا هذه الملاحظة إلى نقطة تالية هي المقصودة ابتداء من هذا الحديث، فإن أمرنا مع أي من الدعوات السياسية أو الفكرية، هو أن نفحصها ونتبين وظائفها في الظروف التاريخية التي ظهرت فيها، وبهذا يستقيم لنا النظر فيها وقياس قدرتها على الاستجابة للتحديات التي واجهتها الجماعة في أي ظرف خاص، ومدى تلاؤمها مع ما يتطلبه وجود الجماعة واستمرارها من وظائف.

إن لنا عددًا كبيرًا من الخصائص الجمعية، وكل منها يصلح أن يكون معيارًا لتصنيف ما، وكل منها يتلاءم مع نوع المواجهة المطلوبة لشكل معين في ظرف تاريخي أو اجتماعي خاص. وهناك خصائص عديدة تشكل مقوماتنا الفكرية والحضارية، وينمو بعضها إزاء بعض عندما يثور من الأمور ما يقتضي نمو الخصائص المواجهة لأمر ما. ونحن يتعين أن نولي لكل خصيصة القدر المعلوم من الاهتمام الذي تصلح به الجماعة ويصلح به قيامها وبقاؤها".

 

وإذا انتقلنا إلى بيان الزوايا التي طرح من خلالها البشري - في كتبه الخمسة - إشكالية التحديات / الاستجابات يمكن أن نوجز ما يلي:

في كتابه الأول «بين الإسلام والعروبة» وحتى يبرز المشترك بين العروبة والإسلام من وجهة التاريخ والجغرافية السياسية أو التكوين النفسي الثقافي؛ فهو يقدم إطلالة تاريخية جغرافية قصد منها كما يقول (ص: ٢٢) «قصدت من هذه الإطلالة التاريخية الجغرافية، بيان أن الدعوة العربية تنوعت موارد نشوئها في البلاد العربية، وفقًا للموقف التاريخي الذي أحاط بكل من مناطقها الثلاث الكبرى: الشرق الشامي والغربي الإفريقي، والجنوب العربي، وليس من الصواب -فيما يبدو لي- أن يتخذ النموذج الشامي كنموذج وحيد وفريد للفكرة العربية؛ لأن الفكرة العربية هناك -دعوة وحركة- قامت في أصل نشأتها بوظيفة انسلاخية عن الجامعة الإسلامية العثمانية، وحكمتها ظروف هذه النشأة، بينما تخلقت الفكرة العربية في إفريقيا في أصل نشأتها وفقًا للوظيفة التوحيدية التي كانت مطلوبة منها. وهذا فارق هام يتعين إثباته والاهتمام به عند تحديد وضع العروبة إزاء الجامع الإسلامي، وعلاقة كل من الجامعتين إحداهما بالأخرى».

كما قصد منها أيضًا -كما يوضح في موضع آخر- بيان أثر الظرف الهندي التاريخي على العلاقة بين الإسلام والقومية وهي علاقة انسلاخية. وعلى ضوء هذا المنطلق في دراسته الأولى يتابع البشري في بقية دراسات كتابه الأول مناقشة أوجه التقارب وأوجه التنافي بين الإسلام والعروبة، أو القومية العربية على مستويات مختلفة (النخبة الجماهير - بداية الوجهة العربية لمصر في العصر الحديث بداية إسلامية، اختلاف نشأة الفكرة القومية العربية الحديثة في مصر والمغرب العربي عن نشأتها في بلاد المشرق). كما يتابع التحول إلى التوجه القومي في الإطار المصري ثم في الإطار العربي والذي جرى في الأساس كحركة وكنشاط أكثر مما جرى كدعوة فكرية عن القومية. ويتابع هذا التحول كإطار يقدم من خلاله موضوع الأقباط والوحدة العربية في ظل طبيعة تحديات واستجابات الإطار التاريخي الحديث.

أما الكتاب الثاني فيقدم البشري على صفحاته إشكالية التحدي/ الاستجابة من زاوية أخرى وهي زاوية تطور العلمنة أو أمرنا مع الفكر الوافد على حد قوله. ويمكن القول أن البشري قد ميّز بين ثلاث مراحل من المواجهة مع الغرب؛ تختلف من حيث طبيعة أهدافها وآلياتها ونتائجها، ولقد اختلفت في كل منها التحديات ومن ثم الاستجابات، وأخيرًا النتائج المتتالية وصولًا إلى ظواهر العلمنة المختلفة بالتركيز على الحالة المصرية بصفة خاصة التي أضحت تحديًا في حد ذاته قائمًا في قلب المجتمعات الإسلامية، تولدت عنه استجابة لازمة وهي الدعوة الإسلامية الحديثة والفاصل بين هذه المراحل -كما سنرى- هو درجة الاختراق الغربي؛ ومن ثم درجة تأثيره على الأبنية الفكرية والمؤسسية خلال السعي لمحاولة إصلاحها.

وكان هذا يقتضي كما يقول البشري "... أن نستحضر قضية هذه المواجهة السياسية والعسكرية على مدى القرنين الماضيين.. إن هذه المواجهة... قد شحذت همم المفكرين والقادة السياسيين العرب والمسلمين ليفتشوا عن مكامن قوة الغرب ويعملوا على نقلها ويفحصوا مكامن الضعف في أنفسهم، ويعملوا على تلافيها. وجرى كل ذلك سواء في مجال الإنتاج والدفاع العسكري، أو في النظم والأساليب والأفكار والقيم. وكان من الطبيعي في مثل هذا السعي أن تتشعب وجوه النظر والمذاهب، وأن تختلف التيارات وتتنوع التجارب... ثم كان للقوة العسكرية والسياسية - المؤيد بالتفوق العلمي والنظمي- ما اختل به ميزان التقدير في أيدي مفكري العالم العربي والإسلامي وقادتهما من ناحية مدى قدرتهم على الاختيار فيما يأخذون من الغرب وما يدعون... ثم جاء الاقتحام العسكري والسيطرة السياسية التابعة بين الربع الأخير من القرن الماضي والربع الأول من القرن الجاري، فاضطربت تمامًا معايير الانتقاء لما يفيد العرب والمسلمين من منجزات الغرب، وشلت القدرة على التمييز بين النافع وغير النافع، وانطمست الفروق بين التجديد والتقليد، وبين النهوض ومحض التغيير، وبين الإصلاح والإحلال." (ص: ٨ - ٩).

هكذا عبر البشري -بإيجاز- أولًا عن تطور التحديات والاستجابات في مرحلية تاريخية امتدت عبر ما يقرب من القرنين. ثم فصّل بعد ذلك في دراسات هذا الكتاب حول هذه المراحل على النحو الذي يتبين منه المراحل التالية:

في المرحلة الأولى التي مع بداية الأخذ عن الغرب لإصلاح مكامن الضعف (محمد علي، محمود الثاني) "اقتصر الأمر على نقل العلوم العسكرية والطبيعية والنظم العسكرية.... ولكنها كانت واردة لتخدم كيانًا سياسيًا إسلاميًا.. ولذلك نجد أنه من غير الصواب الزعم بأن محمد علي أقام نظامًا علمانيًا، أو أن تاريخ النظم العلمانية يبدأ بهذه الفترة.... ثم بدأت المحاكاة الحقيقية للغرب على عهد التنظيمات في الدولة العثمانية (١٨٣٩ - ١٨٧٦). وهنا تبدأ المرحلة الثانية... التي أخذ النفوذ الأوروبي يتغلغل خلالها في كل مجالات النشاط الاجتماعي السياسي والاقتصادي.. حيث تدفق خلالها الوافد الأجنبي بشتى الطرق. وحيث ظهرت المحاكاة للغرب في وسائل العيش.. وحيث أضحت البعثات التعليمية تتجه إلى العلوم الإنسانية، وبخاصة ما يتعلق بالآداب وما يتعلق بإعادة تربية الوجدان وصياغة العقول والرؤى الحضارية... (ولكن) في هذه الفترة كنا نحاكي نماذج، ولم نكن نحاكي فكرًا وعقائد. لذلك كانت المحاكاة (رغم علو موجتها) مدانة.. لأن معايير الاحتكام السائدة في المجتمع والأطر المرجعية منه بقيت كما هي تصدر عن الأسلاف عقيدة وفكرًا وسلوكًا... كانت النهضة الوطنية تصدر في الأساس عن قاعدة إسلامية، وكان الاستعمار وحلفاؤه المحليون متغربين في الأساس، وبقي الإسلام متصل الأواصر بنظام الحياة على مدى القرن التاسع عشر.....".

وتبدأ المرحلة الثالثة: مع بدايات القرن العشرين حين بدأ الفكر الغربي يروج ممثلًا في نظرياته السياسية والاجتماعية والفلسفية... أي أن الأمر صار أساسًا نظريًا وعقليًا ووجدانيًا متكاملًا، صار صياغة جديدة غربية للعقل والوجدان، إعادة تركيب لماكينة التفكير والشعور، بدأنا نستورد الميزان نفسه وأداة القياس والمكيال وبدأنا نطلب الشجرة والتربة نفسها.. صرنا (بعد ذلك بعشرات السنين) ننتج الغرب ونعيد إنتاجه في مجتمعنا. صار (الأمر) إنشاء لأرض حضارية فكرية جديدة وغرسًا جديدًا ومعايير جديدة للتقويم والاحتكام.. قاعدة للشرعية ومناهج للفكر... (ولكن) لم تسر هذه الحركة بمعدل واحد في كل بلادنا الإسلامية والعربية... وجرى ذلك في نطاق الشرائح الاجتماعية والقوى السياسية ذات الاتصال بالمصالح الأوروبية، واستمرت الحركات الوطنية والرؤى الاجتماعية تصدر عن الأصول الإسلامية في السياسة وغيرها... بقيت التكوينات الفكرية والصياغات الوجدانية ورؤى المستقبل وتصورات المدينة الفاضلة للإنسان ومعايير التحاكم في السلوك والتعامل والتداول... واستمرت كلها إسلامية" (ص: ٨ - ٢٠).

وبعد الحرب العالمية الأولى تدشنت مرحلة رابعة في تطور العلاقة بين الوافد والموروث أسماها البشري "الوطنية العلمانية".... "ففي العشرينيات من هذا القرن لم تعد العلمانية ولا نظريات الغرب محض شجيرات وافدة تغرس في أصص محمولة، ولا محض أنشطة تفرضها إرادة الحاكم الأجنبي... لم تعد موظفة للصالح الأوروبي لمعناه السياسي والاقتصادي، إنما آل قسم منها إلى مكافحة تلك المصالح وهذا ما أكسب هذا القسم شرعية الوجود في البيئة الإسلامية والعربية..." (ص: ٢٤).

وفي تلك المرحلة أيضًا، وكاستجابة لهذا التحدي المتزايد الخطورة فيها ".... بدأت الدعوة الإسلامية تتبلور في مناهج وأبنية تنظيمية لم يكن بقي من الأبنية السياسية القائمة ما يعبر عنها أو يمثلها... صار على هذه الدعوة أن تبني مناهجها وأنظمتها المستقلة بمؤسسات تؤكد على مقاومة الوفود، وترسيخ الفكرة الإسلامية... ظهرت الحركة الإسلامية في ذلك الوقت كدعوة لاسترداد الأرض المفقودة أو الأرض المغزوة بالمعنى الفقهي والحضاري السياسي؛ لذلك ظهرت كدعوة لمطلق الإسلام كنظام للحياة»." (ص: ٢٥ - ٢٧) وفي آخر حلقات التحليل المرحلي لظاهرة الوفود العلماني: كيف بدأ وكيف انتشر وكيف كانت جذور الأخذ عن الغرب استجابة في البداية لتحدي الضعف ثم تحولت -بتزايد الاتجاه العلماني- إلى تحدٍ في حد ذاته احتاج بدوره لاستجابة جديدة- وفي آخر هذه المراحل انتقل البشري إلى دراسة القضايا التي تبرز المواجهة بين تغلغل العلمانية من ناحية وأوجه القصور في الحركة الإسلامية من ناحية أخرى، وتقع هذه القضايا في صميم التحدي الذي يواجه الفكر الإسلامي والحركة الإسلامية المعاصرة والتي تفترض الحوار الذي لم يصل إلى مراده بقدر ما تحول إلى حروب فكرية كما سبقت الإشارة.

وإذا كان موضوع الشريعة الإسلامية، والجامعة السياسية من أهم الموضوعات التي قال البشري في الكتاب الأول إنها أخطر ما يواجه البحث عن صيغة فكرية للعلاقة بين التيار الإسلامي وتيار الوحدة العربية (ص: ١١)، وإذا كان قد تصدى إلى الجامعة السياسية في كتابه ذلك؛ فإن الكتاب الثالث تصدى لموضوع الشريعة الإسلامية على النحو الذي يعرض زاوية أخرى من زوايا نظر البشري إلى إشكالية التحديات والاستجابة عبر قطاع طولي من التاريخ أيضًا.

وهذا العرض يبين كيف أنه منذ القرن التاسع عشر تفاعلت عبر مراحل تاريخية متتالية ثلاثة عناصر هي الجمود في الاجتهاد التشريعي، والحاجة إلى التجديد والإصلاح، والغزو الأوروبي السياسي الاقتصادي والعسكري، على النحو الذي أدى إلى الاضطراب في البناء التشريعي وهياكله وأنساقه. وهو الاضطراب الذي تبلور بدوره عبر عدة حلقات أو مراحل في ظل الغزو الاستعماري وخلال الاستعمار ثم في عهد الاستقلال. وتحمل لنا هذه المراحل نفس ظلال المراحل التي استعرضنا من خلالها زوايا النظر في الكتابين السابقين. وهي الظلال التي لو اجتمعت لسطرت الكلمات التالية: إن النقل والتقليد عن الغرب في التشريع ليس إلا طاقة مهدرة أفرزت كثيرًا من السلبيات في مجال العلاقة بين القانون والمؤسسات (تفكيك للنظم الوافدة - وللأواصر، وضربت ما يمكن أن نسميه الجامعية) وفي مجال العلاقة بين القانون والأخلاق، وبين القانون والدين.

وإذا كان الجمود قد ساد قبل الغزو الاستعماري؛ إلا أن موجات من حركات التجديد والإصلاح قد تعاقبت في النمو والظهور في أطراف الدولة العثمانية وليس في قلبها. ولقد تعاقبت في ظل ظروف مختلفة بحيث كانت كل منها -من حيث طبيعتها- استجابة لطبيعة التحدي الذي تجابهه الأمة من جانب القوى الغربية (كما سنرى بالتفصيل لاحقًا) (ص: ٥ - ٣٢).

ولكن فيما يتصل بالتجديد الفقهي الشرعي -بصفة خاصة- يتناول البشري في دراسة أخرى (ص: ٤٣ - ٤٤) مظاهر الضربة التي وجهت إلى تطبيق الشريعة الإسلامية منذ سنة ١٨٧٥، وكيف واجه الفقه الإسلامي تلك الضربة بانبعاث روح التجديد منه، "لأنه فقه ينطوي على مادة عظيمة الخصوبة، ودقة في الصياغة الفنية مدهشة، وقابلية للتجاوب مع ظروف الزمن والمكان... ولكن يلاحظ بطء التجديد فيه عن حركة المجتمع".

وهكذا يستمر البشري في بيان كيف تتوالى الاستجابات في مواجهة التحديات في مجال التشريع الإسلامي والتجديد فيه بمساراته ومناهجه المختلفة بصفة عامة أو في مصر بصفة خاصة (ص: ٥١ - ٦٨).

ولعل أعظم النتائج التي تتبلور أمامي من مجمل تحليل البشري لهذا الموضوع وعلى مدار هذا العرض الطولي التاريخي هو ما يجيب عنه في دراسته تحت عنوان «هل غابت الشريعة بعد عهد الراشدين؟» (ص: ٧١ - ٨٤).

فبالرغم من كل مشاكل الجمود وتحديات التجديد ومخاطر العلمنة فإن خلاصة هذه الدراسة تقول: لا لم تغب الشريعة بعد الراشدين. وينبري البشري بقناعة شديدة وعمق شديد لتوضيح هذه الإجابة الموجزة من خلال عناصر شديدة الأهمية. ولعلنا ننتبه إليها ونحن ننظر إلى أحوال الأمة بمقياس الشريعة/ القانون الوضعي. ولا أستطيع هنا أن أقتبس فقرات أو سطور من هذه الدراسة لتوضيح المشار إليه عاليًا. فالصفحات الخمس عشرة التي تتكون منها الدراسة هي من بين أكثر الصفحات تكاملًا بين دراسات البشري. ولا يمكن إلا الإحالة إليها في مجموعها فإن النقل منها لن يكون إلا افتئاتًا عليها.

وإذا كان الكتابان الأولان قد ركزا على المواجهة بين الإسلام والعروبة والإسلام والعلمانية، وإذا كان الكتاب الثالث قد تمحور حول الشريعة الإسلامية والتشريع الإسلامي في مواجهة القوانين الغربية الوضعية؛ فإن الكتابين الأخيرين قد ركزا على موجات ودوائر الفكر الإسلامي المعاصر، وعلى نحو يبرز أيضًا إشكالية التحديات/ الاستجابة.

وبالرغم من أن الكتب السابقة قد أشارت بإيجاز، وفي مواطن متفرقة إلى بعض ملامح التجديد في الفكر الإسلامي في التاريخ المعاصر؛ إلا أن الكتابين الرابع والخامس أعطيا لهذا الموضوع درجة أكبر من التفصيل.

فنجد أن الكتاب الرابع تتصدره دراسة شاملة جامعة (ص: ٥ - ٣٠) تعرض باقتدار شديد للتطور في التحديات والتطور في الاستجابات الفكرية، عبر عدة موجات من الفكر والإصلاح، وعلى نحو يقدم- كما يقول البشري: «الملامح العامة لحركة تراكم الفكر السياسي الإسلامي في المرحلة التاريخية المعاصرة»، ومن ثم إذا كانت قضية المجتمع المصدوع تسكن في خلفية هذه الدراسة باعتبارها أحد التحديات؛ إلا أن الدراسة تنطلق من القاعدة الأساسية في فكر البشري والتي نعيد التذكرة بها من خلال العبارة التالية التي صدر بها البشري تحليله، يقول: ".... نحن نختار هذا الطريق التاريخي لعرض مفردات الفكر السياسي الإسلامي في زماننا... لنوضح الظرف التاريخي الذي نبتت فيه أي ثمرة من ثمار هذا الفكر، وهذا يلقي الضوء على المفصل الذي يصل الفكر بالواقع من حيث الأعمال والمقاصد. أي من حيث مدى احتياج جماعة المسلمين لفكرة حركية ملائمة في لحظة بعينها، ومن حيث توظيف هذه الفكرة لصالح الإسلام وجماعته في مرحلة ما. وهذا يوضح أيضًا أن كثيرًا مما نعتبره خلافًا في الرأي، .. كان أساسه اختلاف الزمان والمكان، ولم يكن خلاف حجة وبرهان.. فإن ثمة حقائق إسلامية عليا ومصالح إسلامية عليا، ونحن كل في زمانه ومكانه - نتوسل إلى رعايتها وصيانتها وإعلائها بالعديد من المواقف الفكرية والحركية التي تتباين بتباين الظروف والأوضاع. ومن هنا ندرك أن كثيرًا مما نسميه اختلافًا هو إلى التنوع أقرب" (ص: ١١).

وهكذا ينتقل البشري في هذه الدراسة، وكذلك في دراسة أخرى (ص: ٥٢ - ٦٠) إلى استعراض عدة موجات متتالية من الفكر تلك الموجات التي جاءت كل منها استجابة لتحديات ظرف تاريخي خاص.

الموجة الأولى شهدت حركة التجديد الفقهي والفكري من منتصف القرن الثامن عشر وحتى منتصف القرن التاسع عشر والتي صاحبتها موجة الإصلاح المؤسسي الأولى على نحو أفرز الانفصام بين الحركتين. وإذا كانت الموجة الأولى بشقيها قد جاءت قبل الغزو الاستعماري، وفي مواجهة تحديات التقليد والجمود فإن الموجة الثانية بروافدها المختلفة منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين قد جاءت استجابة لمجموعة أخرى من التحديات، وهي الغزو الأوروبي الذي أمسك بمنطقة القلب من العالم الإسلامي (محور استنبول - الشام - القاهرة) وتراوح تغلغله من الاحتلال العسكري إلى الهيمنة السياسية والسيطرة الاقتصادية، إلى النفوذ الفكري والثقافي. وفي ظل هذه الظروف الجديدة جاءت الموجة التجديدية الثانية التي حملت وظائف جديدة تختلف عن وظائف الموجة الأولى. ولذا فإنه إذا كان فكر الأفغاني قد وضع اللبنات الأولى في فكرنا الإسلامي الحديث المقاوم للاستعمار؛ فإن محمد عبده وضع اللبنات الأولى في الفكر المقاوم للقابلية للاستعمار، والذي صار فكر محمد رشيد رضا امتدادًا له بعد وفاة محمد عبده. أما حسن البنا -في ظل تصاعد تحديات الفكر العلماني وتطبيقاته خلال عملية الكفاح الوطني ضد الاستعمار، والتي ظهرت في هذه المرحلة في بداية العشرينيات بصورة علمانية- فلقد كان مقدمًا لفكرة شمول الإسلام ولارتباط الفكر بالعمل، والدعوة بالتنظيم الحركي، والدين بالسياسة. ولكن التأكيد على هذا المعنى الشامل للإسلام هو ما به تمثلت الاستجابة الإسلامية الصحيحة في هذا الوقت، فلقد تطلبها الواقع عندما اتجهت حركة المجتمع إلى إضمار الإسلام وحصره وإقصائه عن أن يكون حاكمًا لنظام المجتمع وعلاقاته.

وعدا هذه الموجات الكبرى من الاستجابات المرحلية لتحديات متطورة، ينتقل البشري -تدعيمًا لقناعته بأن كل فكر ما هو إلا إفراز لظرف تاريخي- إلى التمييز بين حالتين يواجه الإسلام في كل منهما حصارًا وتضييقًا شديدين، ولكن جاء رد الفعل في إحداهما عنيفًا وحادًا (فكر أبي الأعلى المودودي وسيد قطب) في حين جاء رد الفعل في الثاني في شكل الانتشار بالتسرب العقدي الهادئ، ومن ثم البعد عن الاحتكاك المباشر مع الخصوم، ويبتعد عن السياسة وجوانب الإسلام الخاصة بنظم الحياة والشرائع، ويركز أعظم جهده على الجانب العقدي الإيماني والتعبدي وغاية جهده أن يحفظ العقيدة والعبادة (سعيد النورسي في تركيا وجماعة التبليغ في الهند).

ويقول البشري في نهاية المطاف (ص: ٣٠): «وهكذا كان الظرف التاريخي وأوضاع التحدي التي تقوم أمام الجماعة وأمام الإسلام، هي ما تولد أسلوب المواجهة للدفاع عن الإسلام بوصفه كيانًا حيًا، وهي التي تحدد وسائل الدفاع وأدواته».

وفي الكتاب الخامس «ماهية المعاصرة» وإن كانت فصوله تدور حول قضايا محددة إلا أن ثناياها توضح مرة أخرى ملامح إشكالية التحدي الاستجابة في ظل خصائص الظرف التاريخي، ولكن في إطار مختلف ولغاية مختلفة وهي «.... اختبار مدى الملاءمة بين الصيغ العصرية الوافدة: للديموقراطية والاشتراكية، والقومية، والإصلاح الديني، وبين الواقع المعاصر وحركته في مجتمعاتنا. حيث نشأت جميعها وتعمل -فكرًا ونظمًا- في ظروف أوروبية غربية تغاير الظروف العربية الإسلامية التي تشمل مجتمعاتنا...» (ص: ٢٤).

ولهذا فحين يناقش البشري فكر الإصلاح الديني (ص: ٢٦ - ٣٤) فهو يقسم تيارات الإصلاح التي تصدت لمشكلات البيئة الإسلامية إلى ما هو ضال وفاسد وما هو مستجيب للمشكلات الحقيقية والتحديات الأساسية للواقع الإسلامي. ويضع البشري السيد أحمد خان (١٨١٧ - ١٨٩٨) السياسي الهندي في خانة ما يسميه "الوافد الضال.."؛ لأنه كان يسعى لتذويب الشعوب في مستعمريهم.

ولأنه "أخضع الإسلام والقرآن لما أسماه العقل والعلم الحديث، وجعلهما محكومين بهذين الأمرين، وليسا حاكمين لهما، فأبدل الموزون والميزان وجعل الميزان هو العقل الأوروبي والعلم المعاصر، وجعل الموزون هو الإسلام والقرآن بدل أن يكون العكس.. ووجه الضلال في هذا الإصلاح، أنه يتغافل عن أهم ما يهم من خصائص الدعوة الإسلامية الإصلاحية، وهو أن تكون استجابة لما يواجه الأمة من تحديات، وأن تكون استجابة متناسبة مع نوع التحدي المطلوب، ومع حجم التحدي الذي يتهدد الجماعة.."، كذلك يتناول البشري كتاب «الإسلام وأصول الحكم» باعتباره نموذجًا آخر على الإصلاح الديني الضال.

أما أوضاع الإصلاح الرشيد فيتناول البشري أمثلة لها ما يلي: جمال الدين الأفغاني في مجال الإصلاح الديني، ومحمد إقبال على الصعيد الفكري الفلسفي، وابن عبد الوهاب في الجانب الفقهي، "ووجوه الإصلاح الرشيد فعالة لأنها صدرت عن الاستجابة الصائبة للتحديات الحقيقية التي كانت تواجه الجماعة الإسلامية. ربط الأفغاني بين الإسلام وحركة مقاومة الغزو الاستعماري... وقرر إقبال وأمثاله واحدية الدين وشئون الدنيا، وواحدية الجماعة والفرد، وعمل على أن يجنب الجماعة الإسلامية تلك الثنائية التي تقيم التعارض وتقيم الصراع بين جوانب حياتنا المتعددة. وقرر ابن عبد الوهاب وإقبال طريق تجديد الفقه الإسلامي، وطريق تحرير الإرادة الإنسانية للمسلم في إطار حاكمية الله والتوحيد الإسلامي الخالص.....".

وعلى صعيد تناول البشري لقضية الفكر القومي (ص: ٣٥ - ٤٠) وانطلاقًا أيضًا من قوله عن "... قياس المفاهيم والدعوات السياسية بمقياس الصلاح والفساد في مقاومة التحديات الأساسية والمشكلات التي تواجه الجماعة المعنية" نجد البشري يميز أيضًا بين مجموعتين من الأفكار القومية التي ظهرت بين العرب وهما ضال وفاسد أو رشيد وحميد. ومثال النوع الأول في تقدير البشري هو نجيب عازوري لأنه ذو فكر تفتيتي انفصالي تابع. ولذا يحذر البشري من وضع فكره ودعوته ".... في إطار دعاوى القومية العربية التي تفترض أنها ترمي إلى تشكيل وطن عربي واحد، وأمة واحدة ناهضة مستقلة".

أما المثال عن الفكر القومي الرشيد الحميد فنموذجه عند البشري هو رفيق العظم. ففكره توحيدي تجميعي؛ يجمع بين الرابطتين الوطنية والدينية.

وفي نهاية التفكر في هذا الجانب؛ أي الأعمدة الأساسية من فكر البشري تجدر الإشارة إلى أن البشري قد قدم هذا العرض الطولي التاريخي لإشكالية التحديات الاستجابة سواء من منظار العلاقة بين الإسلام والعروبة، أو الإسلام والعلمانية، أو التشريع الإسلامي، والملامح العامة للفكر السياسي المعاصر، وكان في ذلك كله حريصًا على التأكيد على أن هذه الاستجابات المرحلية هي في نطاق المتغير والذي لا ينفي الثابت في الإسلام بالرغم من تغير العصور، ومن هنا كان منهج وأصول النظر العقلي في إدراك العلاقة بين الثابت والمتغير من أهم الجوانب المنهجية التي حرص البشري على إبرازها أكثر في موضع في كتبه الأربعة (مثلًا: دراسة الإسلام والعصر: ك: ٤، ص: ٤٧ - ٥٢) ودراسة: شمولية الشريعة الإسلامية (عناصر الثبات والتغير: ك: ٣ ص: ٩٩ - ١١٤). وهو الأمر الذي سنجدد الإشارة إليه في موضعه من المكون الرابع من مكونات بناء فكر البشري في هذه السلسلة، والخاص بالملامح المنهاجية.

 

قراءة في فكر البشري: حول المسألة الإسلامية المعاصرة (1-3)

 

* دراسة مستلة من كتاب: طارق البشري: القاضي المفكر "الكلمات والبحوث التي ألقيت في الندوة العلمية الأهلية للاحتفاء بالمستشار طارق البشرى، بمناسبة انتهاء ولايته القضائية بمجلس الدولة المصري، تحرير وتقديم: د. إبراهيم البيومي غانم، (القاهرة: دار الشروق، 1420هـ/ 1999م)، ص170- 215.

** أستاذ العلاقات الدولية المتفرغ، والرئيس الأسبق لقسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية- جامعة القاهرة، ورئيس مركز الحضارة للدراسات والبحوث بالقاهرة.

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الثلاثاء, 07 نيسان/أبريل 2026 23:36