Print this page

منهج النظر في دراسة القانون مقارنة بالشريعة (2-3)*

By المستشار طارق البشري** تشرين2/نوفمبر 02, 2025 1067 0

(4)

نحن نلحظ من متابعة وقائع حركة المطالبة بالعودة إلى الشريعة الإسلامية أنه كلما توجهت هذه الحركة إلى الدولة كلما تعثرت وارتدّت آثارها، وكلما توجهت إلى الجماعة -سواء في خاصتها أو عامتها-كلما ازدهرت وزَهت. وموقف الدولة الحديثة ليس مرجعه إلى أنها لم تؤمن بالتوجه إلى الشريعة الإسلامية بعد، ولكن مرجعه إلى أنها بمركزيتها الطاغية وامتلاكها للمجتمع لا تستطيع إلا أن تمتلك مصدر الشرعية في المجتمع، فلا تكتفي بامتلاك سلطة التشريع، كما لا تستطيع إلا أن تكون لديها القدرة على صياغة القيم وامتلاك الأساس الذي تقوم عليه القيم. بمعنى أنه متى وُجدت دولة تمتلك المجتمع، وتعمل على السيطرة المنفردة على مقدراته لتكون هي المؤسسة الوحيدة ولتحطّم ما دونها وما يماثلها، وما قد يعلوها من وحدات الانتماء الأخرى الجامعة للبشر على اختلاف مشاربهم وتنوّع أنشطتهم، متى وُجدت دولة بهذه المواصفات فلابدّ أن تكون علمانية، لتصير شرعيتها مستمرة من ذاتها، ونشاطها صادرًا عن محض مشيئتها.

ونخلص من ذلك أنه لا يقوم رجاء معتبر في تحققٍ له شأنه أن تبادر الدولة الحديثة في بلادنا وتأخذ على عاتقها مهمة إعادة الشريعة الإسلامية كشريعة حاكمة وشرعية مسيطرَة على الأفعال والأقوال والنظم. إنما الرجاء جله في السعي بهذه المطالبة لدى جماعات الأمة؛ فهي مطالبة في هذا المجال أَنْفَذُ وأَفْعل، لأنها تستثير فيهم تراثًا يحفظونه وعقيدةً يتعلقون بها وقيم سلوك وتعامل يألفون الاحتكام إليها وقوة تماسك يترابطون بها مع بعضهم البعض. وبقدر ما يشيع تبنّي هذه المطالبة بين أفراد الأمة وجماعاتها، بقدر ما يهيئ ذلك وجوه الضغط على الدولة لتعدل من طبيعتها والتخفّف من غلواء تفردها. وأفعل ما يقوم به هذا الأثر هو تخلّل الأمة هيئاتٍ وجماعات وطوائف، ثم ما يشيعه ذلك من تغلغل في أبنية الدولة الحديثة من خلال العاملين بها كلٌّ في مجاله ومحيطه. وأفعل ما يكون هذا الصنيع في أجهزة الدولة الحديثة ذات الهيمنة المركزية وذات الضخامة والتوغّل في شؤون الجماعة، لأنها دول ذات أجهزة كبيرة تضمّ أعدادًا غفيرة من المواطنين، بما تنضح به عقائدهم وآراؤهم، وبما يرشح من ذلك من آثار بقدر كثافتهم وقوّة اقتناعهم.

إن لنا في تجربة أحداث ۱۹۱۹ في مصر عبرة يمكن استدعاؤها في هذا الصدد، فإن مطلب الاستقلال عندما ارتفع وشاع بما يشبه الإجماع استطاع أن يحمل مؤسسات الدولة والإدارة إلى ما صارت به؛ تزاور عن حركة شعب أعزل سلاحه تماسكه وأداته وقوفه صفًّا كالبنيان المرصوص، فصار ذلك الجهاز محايدًا ثم متعاطفًا ثم مشاركًا، وهذا ما أكسب حركة المصريين وقتها صبغتها السلمية ومضاء عزيمتها في الوقت ذاته. عبر اللورد اللنبي المندوب السامي البريطاني في مصر عن موقف جهاز الدولة المصري وقتها بقوله: «إن الحكومة صارت مستحيلة»، وفي الحقيقة «إن الحكومة صارت مصرية»؛ نَضَح عليها مجمل شعور الرأي العام المصري بما يطلب وما يبغي.

وكان جهاز الدولة ذاك هو عينه الذي حكم الإنجليز المصريين به ما يجاوز خمسًا وثلاثين سنة سبقت، فامتنع في ۱۹۱۹ على حاكمية وسَلْس للمحكومين به في لحظات حاسمة، وتعدّلت طبيعة الدولة ونوع أدائها من بعد إلى درجة لا بأس بها بالقياس إلى سابق عهدها. وقد قصدت بذكر هذا المثال بيان أن التوجّه إلى الأمة من شأنه أن يفضي إلى التأثير بالتعديل في طبيعة الدولة ونوع أدائها، مادامت اجتمعت الأمة بهذا التوجّه على مطلبٍ معين.

ومن جهةٍ أخرى، فنحن نتابع في خبرة الواقع المعاش حركةَ المناداة بالحجاب بعد السفور؛ ولنا أن نتصوّر لو أن حركةَ العودة إلى الحجاب بين النساء كانت توجّهت إلى الدولة لتعميم الحجاب أو تزكّيه في المدارس وأماكن العمل؛ فأولًا كان الأمر الواقع سيكون في صالح السفور، وكان الحجاب سيقوم بمثابة دعوة لتغيير الواقع. ثانيًا كان سيلقى من الصدود ما لا يمكنه من الإقناع بدعوته. وثالثًا كان سيولد نقطة احتكام بينه وبين الدولة لأنه ينازعها على قرارها ولأنه يريدها على الخروج من علمانيتها. ولكن الحادث أن دعوة الحجاب توجّهت إلى جمهور الأمة، ولم نشاهد القول بها بقدر ما شاهدنا الفعلَ لها، الذي صار إلى الانتشار والتغلغل في المجتمعات التي اعتادت بعض أوساط النساء فيها على السفور منذ عشرينات القرن العشرين، حتى صارت الأزياء حاسرةً عما لا يجوز كشفه، ثم آلّ الأمر إلى العكس فدنت الجلابيب وتغطّت الشعور، وأثرّت المحاكاة آثارها، وتغيّر الوضع المحيط، وانسدلت الملابس، وصارت الحاسرة تفاجأ من أمر نفسها بأنها قد صارت أقرب إلى الانكشاف والعرى رغم ثبات زيّها طولًا وسعةً، لأن «الوسط» قد تغيّر وكشف لها من أمر نفسها ما لم تكن تلحظ، واكتسب الحجاب الأمر الواقع، وجاءت دعوة التغير من دعاة السفور، وظهرت الدولة حييةً مترددة تقدّم رجلاً وتؤخّر أخرى، وتلزم بالسفور في المدارس ثم تعود فتعدّل وترمي بأنصاف الأقوال ونواقص القرارات.

هذا ما قصدت بيانه من التوجّه إلى الأمة، واكتساب قدمٍ راسخةٍ فيها، قبل التوجّه إلى الدولة، والتوجّه إلى الأهالي بالنصيحة، وبالفعل الفردي والجمعي قبل التوجّه إلى الحكومة لإصدار القرارات...

 

***

(5)

إلى أي مدى يمكن التوجّه بطلب العودة إلى الشريعة الإسلامية، التوجّه به إلى الأمة لممارسته، وهو متعلق بتطبيق القانون النافذ في المجتمع ممّا تملكه الدولة ومما يعتبر جوهر سيادتها؟ وهل يمكن ممارسة الأهلية للتحاكم بالشريعة الإسلامية في ظل سيادة الدولة القائمة والنظام القانوني الوضعي السائد؟ إنني أحاول أن أضع السؤال بهذا الأسلوب الملتبس حتى يمكننا تحريره واستخلاص حقيقة المقصود. فليس المقصود تحدّي سلطَة الدولة، وليس المقصود إيجاد قانون بطريقة تأباه نظم الدولة السائدة، إنما المقصود الذي أريد أن أوضحه هو كيفية تخلّل الشريعة الإسلامية للنظام القانوني السائد. وهذا ما يجعلنا نحدد في البداية ما هو المقصود من «الشريعة الإسلامية».

عندما عدلت تشريعاتنا من الأخذ عن الشريعة الإسلامية إلى الأخذ عن القوانين الأوروبية -فرنسية أو إنجليزية أو غيرها- لم يكن قصد النفوذ الغربي من ذلك -في ظني- استبدال أحكام محددة في القانون المدني أو التجاري بأخرى؛ فقد كان ذلك ممكنًا في إطار حاكمية الشريعة الإسلامية بما تسع من تعدّد وتنوّع في الاجتهادات والمذاهب والآراء. ولم يظهر أن مسعى من ذلك جرت محاولته قبل إدخال القوانين الأجنبية، ولا أن هذه القوانين الغربية أدخلت بعد اليأس من محاولات تجديد الشريعة الإسلامية؛ لم يظهر أيٌّ من ذلك، إنما كان المقصود في ظني هو العدول عن الإطار المرجعي الشرعي إلى إطار مرجعي آخذ عن الغرب وقوانينه، بما يقضي على استقلالنا التشريعي ويكرّس التبعية للغرب في نظمنا التشريعية واجتهادات قضائنا ومفتينا وشراح القوانين عندنا. وهذا ما حدث؛ فقد صرنا بعد أن كنا نقول: «قال الله وقال الرسول»، صرنا نقول: «قال قانون نابليون» وقال «القانون الروماني من قبله»، وبدل أن نستدل بمالك والشافعي وأبي حنيفة وابن حنبل، صرنا نستدل بـ«بلاتول» و«دوجي» و«كابيتان»... إلخ، وبدل أن نلجأ للفتاوى الهندية ومبسوط السرخسي، صرنا نلجأ إلى «اللوز» وأحكام النقض الفرنسية.

لا تثريب علينا أن نطلب العلم من كل مكان، ولو من الصين (ولم تكن من أهل العبادات السماوية)، ولكن التثريب أننا لم نضف علمًا إلى علمٍ، إنما استبدلنا بعلمنا علمَ الآخرين، والإثمُ الأعظم أننا فصلنا تنظيماتنا عن عقيدتنا كأصل للشرعية ومعيار للاحتكام، وأخذنا من عقائد الآخرين أصل شريعتهم ومعايير احتكامهم. لم يكن المقصود إذًا استبدال حكم فرعي في واقعة أو نازلة محلّ حكمٍ آخر، إنما كان المقصود العدول عن أصول الشريعة الإسلامية إلى أصول شرعية وضعية غربية وافدة. ويُقال إن القانون المدني الذي أُعِدّ لمصر من القانون الفرنسي وصُدِر في ۱۸۸۳ كانت نصوصه قد ضمّت بعض علماء الشريعة فتحدّث بعضهم عما وجده من وجوه الشبه بين أحكام هذا القانون وبين اجتهادات الفقه المالكي في عديد من المسائل، وهذا يؤكد أن لم يكن المقصود العدول عن الأحكام، إنما هو العدول عن المصدر الشرعي للحكم، وهذا ما تحقق فعلاً فيما تلا ذلك من عقود حتى ظهرت الدعوة لاستقلال القانون المصري من القانون الفرنسي بمجموعة التقنينات التي صدرت في الأربعينات، وكان أساس حركة الاستقلال هذه هو الفصل بين أحكام هذه التقنينات وبين الأصل المرجعي لها سواء كان قانونًا فرنسيًا أو قانونًا ألمانيًا أو غير ذلك.

وبهذا يظهر أن حركة العودة للشريعة الإسلامية إنما تجد أساسها وحقيقة مقصودها في العودة إلى الإطار المرجعي والمصدر التشريعي للأحكام الشرعية التي ولدها الفقه الإسلامي بأساليب الاجتهاد المعروفة، من الأصلين الثابتين للشريعة الإسلامية، وهما القرآن الكريم وسنة سيدنا رسول الله ﷺ. لذلك أخال أننا أخطأنا أحيانًا عندما استدرجنا للحديث عن الأحكام التفصيلية؛ كان طبيعيًا ومطلوبًا أن نثبت بالحديث عن الأحكام الفرعية قدرة الشريعة الإسلامية على البقاء والتجدد وتنظيم حياتنا المعاصرة ووجوه النفع الاجتماعي من تطبيقها، ولكن هذا المسعى للإثبات غَلَا أحيانًا وجعل البعض يظنّ أن طلبتنا أحكامًا فرعية محددة بموجب كونها كذلك، مع أن مطلبَنا هو إعادة أصل الشرعية الإسلامية لتكون حاكمة ومعيار احتكام ومصدرًا تشريعيًا للمعاملات والنظم، فضلاً عن قيم السلوك الضابط للأخلاق. المطلوب هو المرجعية؛ هو المورد والمشرع وعين الماء. المطلوب ليس الموزون مجرّدًا، بل الميزان في الأصل والأساس. ونحن نطلبها كإطار فسيح يسع -كما وسع دائمًا على مدى تاريخي طويل وفي مجال جغرافي عريض- العديدَ من الاجتهادات وتنّوعات الأحكام واختلافاتها وتغيرها؛ نطلبها ونعلم أنها تسع اجتهادات وتنّوعات بقدر ما تسع وطبقًا لمناهج التفسير وأصوله المعروفة والمعترف بها.

 

***

(6)

المقصود هنا بالتوجّه إلى الأمة بالمطالبة بعودة الشريعة الإسلامية لا يَبغِي تحدّي سلطة الدولة، ولا يصل إلى إيجاد قانون وتنظيم بديل على غير ما سنّت الدولة، ولا يبلغ الخروج على قوانينها. وفي الوقت ذاته ليس المقصودُ فقط هو عموم الدعوة إلى الشريعة الإسلامية وتزكية أطرها المرجعية ومعاييرها في الاحتكام بها بين الناس، إنما المقصودُ منزلةٌ بين هاتين المنزلتين، وهذا ما أحاول عرضه في هذه الورقة حول "منهج دراسة القانون مقارنًا بالشريعة الإسلامية".

المقصود ليس فقط الدعوة للمطالبة؛ إنما هي دعوة تفيد الحثّ على الممارسة، ولكنها ممارسةٌ مقصود أن تُجرى لا لتغيير الأحكام القائمة (فهذا أمر تبقى بالنسبة له الدعوة إلى المطالبة بتغيير ما يتعارض مع الشريعة الإسلامية وتشريع ما توصيه مما لا يزال غير نافذ بسلطان الدولة). ولكنها ممارسة تجري لتغيير الأطر المرجعية، أي تعديل قواعد الاحتكام للنصوص والأحكام السارية الآن، ليصير مصدر الشرعية لها هو اتفاقها مع الشريعة.

المطلوب هنا هو النظر فيما تسعه الشريعة الإسلامية من أحكام تقوم بها القوانين والتشريعات السارية والنافذة في المجتمع الآن، وردّ هذه الأحكام إلى أطرها المرجعية من الشريعة الإسلامية، وإسنادها إلى ما يمكن أن تستند إليه من مصادر التشريع الإسلامي وفقًا لما تفتق عنه اجتهاد الفقهاء المسلمين قديمًا وحديثًا. وهذه المسألة هي ما أحاول عرضه: أن يتجه رجال القانون والفقه والعاملون بالقانون من المحامين والقضاة والشارحين والدارسين والأساتذة المعلمين، أن يتجه كلٌّ هؤلاء إلى بيان الإسناد الشرعي لأحكام القوانين القائمة، في حدود ما تطيق الشريعة الإسلامية وفقهها إسناده من أحكام تلك القوانين.

وأبادر فأذكر أن الأمر هنا لا يعني إضفاء بردة الدين والشرع الحنيف على نظام قانوني وضعي علماني، ولكنه أمر تخلّلٍ للنظام القانوني القائم الذي لا أستطيع إبداله؛ تخلّله بالتدريج لردِّ أصول مرجعيته إلى المصادر التشريعية الإسلامية. والفرق بين العمليتين بنائيّ من وجوه ثلاثة هي ما يلي:

أولًا: إن إضفاء بردة الإسلام على ما ليس منه مقصود به تثبيت الوضع القائم وإبقاء المصدرية الوضعية العلمانية للتشريعات القائمة، وهي تبغِي إذابة الفروق بين الصيغة العلمانية الوضعية والصيغة الشرعية الإسلامية. وهي تنكر مبرر قيام دعوةٍ إسلامية تهدف إلى تطبيق الشريعة وإقرار حاكميتها في المجتمع باعتبار أن الشريعة قائمة ونافذة فعلًا.

بينما التخلّل المطلوب للنظام القانوني يستبقي وضوح الفروق لديه بين أحكام ونظم وقوانين ذات مصدر علماني وضعي حسب أصل نشأتها وتقريرها، وبين أحكام ونظم وقوانين ذات مصدر شرعيّ إسلامي. وهو بدعوته إلى تخلّل النظام القانوني لا ينكر وجوب قيام الدعوة العامة بإقرار مرجعية الشريعة الإسلامية؛ فهو يضيف وسيلة إلى الوسائل ولا يستعيض بوسيلة مقترحة عن الوسائل القائمة الآن فعلًا، فهو يضيف ولا ينقص.

ثانيًا: إن إضفاء بردة الإسلام على ما ليس منه إنما تصطنع فقهًا واجتهاداتٍ لا تجري وفق أصول التفسير والفقه التي يجريها علماء الشريعة، إنما يؤولون الأحكام الشرعية بما يخرجها عن وجوه القياس الصحيحة إلى ما ليس مقصودًا به إلا إضفاء الصيغة الشرعية على أحكام تتعارض معها. فهو باجتهاده يصل في الحقيقة إلى التعطيل وليس إلى الإعمال.

بينما القائل بالتخلّل للنظام القانوني لا يبغي أن يصطنع فقهًا يخرج عن مألوف ما تجرى به مناهج الفقه الإسلامي وسوابق اجتهادات المجتهدين من داخل الفقه الإسلامي وبمادته، وهو بذلك يخضع نصوص الأحكام الوضعية لهيمنة الشريعة الإسلامية ومصادرها وفقها، ولا يُخضع أحكام الشريعة لهيمنة النظر الوضعي العلماني.

ثالثًا: إن من يضفي بردة الإسلام على الأحكام الوضعية العلمانية إنما يبذل الطاقة ليخفي الفارق بينه وبين دعاة الشريعة الإسلامية، وهو ينشط لإثبات أن المطالبين بالشريعة الإسلامية إنما يطلبون أحكامًا فرعية مما يتعلق بوقائع الحياة الجارية وتوازنها، ويحاول أن يثبت أن لا فرق في تلك الأحكام إلا في النزر اليسير.

بينما القائل بالتخلّل يحاول بما يبذل من طاقة ردّ الأحكام السارية إلى إسنادها الشرعي أن يكشف عن أمرين هامين: أحدهما أن الفارق بين الموقفين هو فارق يتعلق بمصدرية الحكم وليس بالحكم ذاته، وأنه إذ يوافق على الحكم الفرعي فهو يؤكد اختلافه فيما يتعلق بمصدرية هذا الحكم ويصرّ على التمسك بالمصدرية الإسلامية الأصل التي تُضفي شرعية الحكم الفرعي؛ فهو لا يتبنّاه إلا مشروطًا بارتباطه بهذه المصدرية الشرعية. فهو موقف يكشف عن جوهر المسألة المختلف عليها ولا ينغمس في الجزئيات.

والأمر الآخر أنه بصرامة التزامه بالحدود الشرعية والضوابط المنهجية إنما يقوم بعملية فرز تشريعي بين ما يتفق من القوانين الوضعية السارية مع أحكام الشريعة الإسلامية وما لا يتفق؛ وكل ذلك يفضي بعد ذلك إلى فرز الأحكام المخالفة للإسلام فرزًا دقيقًا، وتنجلي للناس بذلك مجالات المخالفة واضحة بينة. وكما أن السيدة الحاسرة ازداد مع الوقت انكشاف محاسرها لغلبة المحجبات من حولها، كذلك سيزداد الحكم المخالف للشريعة انحسارًا لعمليّة انكشاف ما يتفق مع الشرعية من الأحكام الأخرى.

والأمر كلّه هنا هو التوسل إلى استرداد الشريعة الإسلامية للشرعية في المجتمع بهذا التخلّل للنظام القانوني كوسيلة تمكّن من الاستفادة بالمتاح وبأقل جهدٍ صدامي.

وفي إطار السعي للحركة الإسلامية بعامة لاستكمال استرداد كل الشرعية الإسلامية وسيادتها الكاملة، فهو مجال لا ينفي غيره ولا يستبعده ولا يستعيض عنه، ولكنه يكمل ويتمّ ويقوم مساعدًا وميسّرًا.

 

 لتحميل ملف الدراسة

رابط الجزء الأول من الدراسة

_______________________

* بحث قدم لندوة انعقدت بجامعة قطر في ديسمبر سنة 1995، ونُشر بصحيفة الحياة اللندنية على ثلاث حلقات في الأسبوع الأول من مارس سنة 1996، كما نشر أيضا في كتاب البشري: الوضع القانوني المعاصر بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، دار الشروق، الطبعة الأولي، القاهرة: 1996.

** المستشار طارق عبد الفتاح سليم البشري (1933–2021) قاضٍ وفقيه قانوني ومؤرخ مصري بارز، شغل منصب النائب الأول لرئيس مجلس الدولة، ورأس لجنة التعديلات الدستورية عقب ثورة 25 يناير 2011. عُرف بعمق فكره القانوني والإصلاحي، وبدراساته في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي والعلاقات بين التيارات الإسلامية والعلمانية، ومن أبرز مؤلفاته الحركة السياسية في مصر 1945–1952 والمسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية، وسلسلة كتب أصدرها تحت عنوان رئيسي «في المسألة الإسلامية المعاصرة» بدأ صدورها سنة 1996م بالعناوين التالية: ماهية المعاصرة، الحوار الإسلامي العلماني، الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر، الوضع القانوني المعاصر بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي.

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الأحد, 02 تشرين2/نوفمبر 2025 10:44