أصدرت "الأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت"، ممثلة بإدارة الدراسات والمعلومات والتوثيق، "العدد الخمسين (50)" من مجلة "أوقاف" العلمية المحكّمة النصف سنوية والمتخصصة في شؤون الوقف والعمل الخيري، والمدرجة ضمن قائمة الناشر الدولي "إبسكو (EBSCO)". ويأتي هذا الإصدار لـ "السنة السادسة والعشرين" من مسيرة المجلة (المحرم 1448هـ / يونيو 2026م)، مجسدًا استمرارها المتواصل في إثراء أدبيات الوقف والعمل التنموي.
وجاءت افتتاحية العدد بعنوان: "الوقف في زمن الخوارزميات؛ الرهان الحضاري في مواجهة الاغتراب الرقمي"، حيث تناولت الأبعاد المعنوية والاجتماعية لنظام الوقف بوصفه نموذجًا يجسد الترابط الاجتماعي والتكافل الإنساني، معتبرة إياه نظامًا متكاملاً يعيد الاعتبار للعيش المشترك وترسيخ شبكات التضامن في ظل تحديات التحول الرقمي والمتغيرات المعاصرة.
وتضمّن قسم الأبحاث باللغة العربية دراسات علمية متخصصة؛ حيث قدم الأستاذ الدكتور سهيل صابان بحثًا بعنوان "إسهام نساء البلاط العثماني في الوقف ودوره في نهضة الأمة (955-1326هـ / 1451-1908م)" مستندًا إلى الوثائق الأرشيفية للتعريف بالدور التنموي والمؤسسي للمرأة العثمانية. وتناول الأستاذ الدكتور محمد سالم عباس الصعيدي في بحثه "الأوقاف ودورها في محو الأمية والتماسك القومي" الدور التاريخي للأوقاف في نشر التعليم، وبناء الكتاتيب والمدارس، ودعم التكافل والمواطنة. بينما قدم الدكتور طارق محمد أبو تايه بحثًا بعنوان "إشكالية الربا للأسهم الوقفية في البنوك التجارية وحلولها الشرعية" لبحث التكييف الفقهي وآليات استبدال أو نقل الأسهم الوقفية بما يحقق المصلحة العامة ويوافق الشريعة.
وشهد قسم الأبحاث باللغة الإنجليزية نشر بحث بعنوان "الوقف الخليجي بين الواقع والمأمول" للدكتور فؤاد عبد الله العمر، وترجمة الدكتور أحمد السعيد حميدة. وفي باب "المقالات"، استعرض الدكتور محمود مصطفى حلمي موضوع "وقف حقوق الارتفاق: مفهوم قديم بتطبيقات حديثة" لبيان كيفية توظيف حقوق المرور والمجرى والشرب في تيسير الحياة وتطوير الخدمات في المدن الحديثة. كما قدم الدكتور عيسى صوفان القدومي في باب "عرض الكتب" قراءة تفصيلية لكتاب "الأوقاف على الحرمين الشريفين خارج المملكة العربية السعودية" من تأليف الدكتور عبد الله بن ناصر السدحان.
واختُتم العدد بـ "باب الأخبار والتغطيات" الذي رصد أبرز الفعاليات والأنشطة الوقفية، وفي مقدمتها عقد ملتقى الأمانة العامة للأوقاف الثامن والعشرين، واجتماع المجلس التنفيذي لمؤتمر وزراء أوقاف العالم الإسلامي، وإطلاق الموسم الثاني من مسابقة "مَفاز"، إضافة إلى إصدار دليلي مشروعي "المكنز" و"الكشافات"، مما يعزز المرجعية العلمية والمعلوماتية للمجلة في خدمة البحث العلمي والعمل الوقفي.
لتحميل ملف العدد (هنا)
تستهدف "لائحة إحياء الأوقاف المجهولة والمعطلة" -المعتمدة بقرار مجلس إدارة الهيئة العامة للأوقاف رقم (48/1/1/ت) بتاريخ 12 ربيع الأول 1448ه- تعزيز الحوكمة والاستدامة في القطاع الوقفي بالمملكة العربية السعودية؛ من خلال إرساء إطار تنظيمي موضوعي يُعالج حالة تلك الأوقاف ويُعيد إحياءها، بما يُحقق المقاصد الشرعية للواقفين ويلتزم بشروطهم.
تستوعب اللائحة في نطاق أحكامها الأوقاف والوصايا بوقف، العقارية منها والمنقولة. وتعرّف "الوقف المجهول" بأنه كل وقف أو وصية بوقف تعطل مصرفه بسبب عدم وجود ناظر، أو إخفاء الوقفية والنظارة، أو عدم علم الناظر بمكان الوقف أو مستنداته. بينما يُعرَّف "الوقف المعطل" بأنه الوقف الذي يملك ناظرًا إلا أنه تعرض لتعطل كلي في ريعه أو في الانتفاع المباشر منه وفق شرط الواقف لمدة سنتين متتاليتين.
وتُنظّم اللائحة إجراءات الإبلاغ والمعالجة وفق ضوابط محددة تضمن كفاية المستندات وخلو الوقف من الدعاوى القضائية القائمة بشأن النظارة أو الملكية قبل تاريخ البلاغ. وتحفيزًا للمجتمع، تمنح اللائحة المبلغين عن الأوقاف المجهولة مكافأة مالية تصل إلى 5% من قيمة عين الوقف وبحد أقصى 10 ملايين ريال سعودي، مع الالتزام التام بالسرية لحماية بيانات المُبلّغ. وتتولى الهيئة ولجنتها المختصة إثبات الوقفية، ورفع التعديات، وتعيين النظار وفق الأطر النظامية.
أما بالنسبة للتعامل مع "الأوقاف المعطلة"، فتتيح اللائحة للناظر مهلة سنة (مع إمكانية تمديدها لسنة إضافية) للمبادرة بإحياء الوقف، قبل أن تتولى الهيئة مباشرة معالجته عند انقضاء المهلة أو عدم تجاوب الناظر. وتتنوع الآليات المقررة للإحياء بين الاستثمار والتأجير، وإطلاق المنتجات والصناديق التمويلية، ودمج النظارات أو الأصول الوقفية، وصولًا إلى استبدال الوقف أو بيع جزء منه لإعمار الباقي، شريطة الحصول على إذن المحكمة المختصة ومراعاة شرط الواقف. كما كفلت اللائحة حق التظلم الإداري للمُبلّغ خلال 30 يومًا من التبلغ بالقرار، مع إمكانية الطعن أمام المحكمة الإدارية خلال 60 يومًا.
وتشتمل اللائحة على ثلاثين مادة نظامية تتوزع على ثمانية فصول موضوعية تُنظم أحكام وقواعد إحياء الأوقاف المجهولة والمعطلة.
وتتوزع مواد اللائحة على الفصول التالية:
لتحميل ملف اللائحة (هنا)
هو أحد أعلام القضاء الشرعي في مصر. شغل منصب رئيس المحكمة العليا الشرعية، وهو من أواخر من تولوا هذا المنصب الجليل، إذ كان آخر من تولاه الشيخ منير الهلالي.
ولد الشيخ (علي محمود أحمد قراعة) في مدينة أسيوط بصعيد مصر في الثاني من فبراير عام (1889م) وعاش في كنف أسرة اشتهرت بالعلم والاشتغال بالقضاء، كان جده الشيخ أحمد قراعة مفتي المالكية بأسيوط، ووالده الشيخ (محمود أحمد قراعة) كان قاضي أسيوط، وشغل شقيقه الأكبر(عبد الرحمن قراعة) منصب مفتي للديار المصرية، وكان شقيقه (محمد أمين قراعة) قاضي قضاة السودان.
حفظ القرآن وهو صغير وأتقن علوم العربية ولم يزل صبيا، وقرض أشعارا كثيرة في سن مبكرة -وبعضها منشور- والتحق بالقسم العالي بمدرسة القضاء الشرعي عام (1907). ويروى أن سعد زغلول باشا -وكان وزيرا للمعارف- تفقد امتحان النقل لطلبة السنة الأولى من المدرسة، ولفت انتباهه خط الشيخ قراعة فتناول ورقته وقرأها ثم تناول قلمه ووضع له العلامة النهائية تعبيرًا عن إعجابه بها، كما ذكرت صحيفة المقطم إذ ذاك.
تخرج من مدرسة القضاء عام (1911) وكان من المتفوقين؛ إذ نال الدرجة العالية في الامتحان، وعين مدرسًا بها ولم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، وعهد إليه بتدريس التوحيد والفقه.
المسار القضائي
كان أول اشتغاله بسلك القضاء عام (1912) حين عينه سعد زغلول -وكان وزيرا للحقانية- قاضيا بمحكمة الزقازيق الشرعية، وتولى بعدها القضاء في محاكم الشرعية المنتشرة بالقطر في: العياط وأسيوط وبني سويف والإسكندرية وههيا والقاهرة الجزئية، وختم حياته القضائية بتولي منصب رئيس المحكمة الشرعية الكبرى عام (1944)، وكان له فيها خطوات مشكورة لتنظيم القضاء وتحسين أحوال رجاله، ويروى إنه اقترح إنشاء (محكمة شرعية للنقض) وعرض اقتراحه على وزير العدل الدكتور محمد كامل مرسي ووافق عليه وطلب منه إعداد مشروع متكامل في ذلك فأجابه إلى طلبه، إلا إن إحالته للتقاعد والتغيرات الحاصلة في مصر بعد حرب فلسطين حالت دون تطبيقه.
واختتم الشيخ حياته القضائية مودعًا المحاكم الشرعية عام (1949) حين أحيل للتقاعد بعد مضي سبع وثلاثين سنة في خدمة القضاء الشرعي.
المسار التدريسي
علاوة على الاشتغال بالقضاء مارس الشيخ قراعة مهنة التدريس في فترات مختلفة من حياته، فكما أسلفنا كان أول عهده بالتدريس حين تولى تدريس الفقه والتوحيد بمدرسة القضاء الشرعي (1911)، لكنه بعدها لم يدرس سوى المواد القضائية، وذلك بفضل عمله القضائي ففي عام (1925) انتدب لتدريس مادة (التوثيقات الشرعية) بالقسم الثانوي بالأزهر الشريف، ولما أنشئ قسم التخصص بمدرسة القضاء الشرعي اختير للتدريس فيه، واستمر مدرسًا به أربع سنوات، وكان من تلاميذه: الدكتور عبد الوهاب عزام، والشيخ أمين الخولي، والشيخ عبد اللطيف السبكي، والشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ عبد الرحمن تاج.
وعقب إحالته إلى المعاش انتدب للتدريس بكليتي الحقوق بجامعتي القاهرة وعين شمس واستمر بضع سنوات في عمله إلى أن أنهى انتدابه لتقدم سنه.
مصنفاته:
قام الشيخ قراعة أثناء عمله التدريسي الجامعي بتصنيف خمسة كتب لفائدة الطلاب، إلا أنها طبعت وتم تداولها خارج الجامعة وهذه الكتب:
وفاته:
توفي رحمه الله في فجر الثاني عشر من يونيو عام 1969 بعد حياة حافلة في خدمة القضاء الشرعي.
محكمة قليوب الشرعية
16 مارس سنة 1929
ذمي، طلاق، عدة، نفقة المعتدة
القاعدة:
(1) المقرر شرعًا أننا نترك أهل الذمة وما يدينون.
(2) لا طلاق للذميين، ما داموا لا يدينون به.
(3) إذا صح قبول طلاق الذميين أمام المحاكم الشرعية، فالعدة من لوازمه للمطلقة الذمية، يجب معها النفقة لها.
(4) إذا امتنع فرض النفقة للذمية المطلقة التي لا يجيز دينها الطلاق، لحقها ضرر محقق؛ إذ تمنع عنها نفقتها كمطلقة لا عدة عليها، في حين أنها لا تستطيع الانتفاع بهذا الطلاق فتتزوج غير مطلقها على أي مذهب من مذاهب دينها، وهذا ظلم كلفنا الشارع برفعه عنهم.
المحكمة
المقرر شرعًا أننا مأمورون بأن نترك أهل الذمة وما يدينون. والقول الشائع بعدم وجوب العدة في حق الذمية مقيد بكونهم لا يدينون بها فإذا دانوا بها لزمنا إقرارها. وقد نص ابن عابدين على أن المشهور الآن من اعتقاد أهل الذمة أن لا طلاق عندهم. وقال إن الشرط جوازه في دين الزوج. ومن حيث أن المدعي وهو الزوج يقرر أنه كاثوليكي؛ والمعروف عن هذا المذهب أن الطلاق بالحالة والسبب اللذين ذكرهما المدعي لا يجوز. وإذًا فلا قيمة لهذا الطلاق والزوجية ثابتة. ولا عبرة لما قرره المدعي من أن هذا الطلاق صحيح حسب عقيدته الشخصية، لأن هذه العقيدة الشخصية: لا توجب حقًا له على غيره ولا تسقط حقًا لغيره عليه. والقضاء عام لا يتبع هوى الأشخاص وإلا لعاد على نفسه بالنقض. والمقرر في الفقه الإسلامي أن للزوجة المسيحية على زوجها النفقة، بل أكثر من هذا قد نص على ثبوت أحكام النكاح في حق الذميين، كالمسلمين من وجوب النفقة والعدة إلى آخره. فلو تسامحنا بقبول طلاق المدعي حسب أحكام الفقه الإسلامي لوجب أن نلزمه بلازمه من العدة ووجوب نفقتها. على أن تمسكه بأن طلاق الذمي بلا عدة مردود عليه بمذهب أصحاب أبي حنيفة الثلاثة: أبي يوسف، ومحمد، وزفر، وقول بوجوبها. وظاهر من قصد المدعي هنا أنه لا يبغي من دعواه إلا مضارة المدعى عليها بتطبيق حكم لا يطبق دون التزامه هو ببقية أحكام الإسلام مما ينافي: قاعدة الحق إزاء الواجب؛ في حين أن المحكمة لو أجابته إلى طلبه لأنزلت بالمدعى عليها ضررًا محققًا؛ إذ تمنع عنها نفقتها كمطلقة لا عدة لها، في حين أنها لا تستطيع الانتفاع بهذا الطلاق فتتزوج غير المدعي على أي مذهب من مذاهب دينها. وهذا ظلم محض كلفنا الشارع برفعه عنهم؛ فلا يعقل إذًا أن تكون المحكمة آلة إيقاعه بل يتعين رفعه قولا واحدًا. (لهذا) قررنا رفض دعوى المدعي حضوريًا.
(أصدر هذا الحكم حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ محمد سليمان القاضي في قضية فهمي أفندي بولس ضد مارية بنت جرجس جبران رقم 218 سنة 1928 وسنة 1929 وتأيد من محكمة الاستئناف في أول يولية سنة 1929).
الأستاذ الدكتور فتحي عثمان علمٌ من أعلام الفكر العربي والإسلامي المعاصر الذين أسهموا مبكرًا وبشكلٍ جديٍ في معالجة إشكاليات الفكر التقليدي الذي يقف عند مراحل معينة في التاريخ، وتحليل ودراسة ما نتج عن ذلك الفكر من تطبيقات عملية وحركية على أرض الواقع. وقد مكّنته خلفيته العلمية الموسوعية -من الآداب إلى العلوم السياسية مرورًا بالحقوق- وتجربته العملية الواسعة في مجالات التدريس والتأليف والصحافة، وصلاته الممتدة بكثير من العاملين على أرض الواقع، من طرح رؤية متميزة في كثير من المجالات. وقد تفضل مشكورا ببذل وقتٍ مقدر في هذا اللقاء الثري مع الرشاد، والذي ننشر في هذا العدد الجزء الثاني والأخير منه.
- الرشاد: إذا انتقلنا إلى الوجود الإسلامي العام في الولايات المتحدة حيث تقيمون منذ سنوات، بعد فترة التركيز على بناء البنية التحتية لذلك الوجود من المساجد للمقابر مرورا بالمدارس والمراكز الإسلامية، يتركّز الاهتمام اليوم في اتجاه المشاركة السياسية والإعلامية. من منطلق رؤيتكم المنهجية الاستراتيجية لأبعاد المنظومة الحضارية في هذا البلد من حيث منطلقاتها الفلسفية من جهة، ومن حيث الإفرازات التطبيقية العملية لتلك المنطلقات على الصعيد السياسي والاقتصادي والإعلامي، ما هي بالتحديد الغاية الممكنة للوجود الإسلامي في الولايات المتحدة؟ ثم ما هي نقطة التوازن والواقعية بين طرفي النقيض الذين يحلم أحدهما بأسلمة أمريكا بينما يتعجل الآخر في الهروب منها كبلد كفر وفسق وإلحاد سوف تنهار تلقائيا في القريب العاجل؟
- الدكتور فتحي: أنا أعتقد أن أمريكا مكان مناسب للنضج الفكري الإسلامي بالنسبة للمهتمين بهذا المجال. وكما طور لينين فكره في سويسرا وفنلندا وغيرها من أراضي المهجر التي عاش فيها، بحيث نضج فكره و تبلور في الخارج، و كما فعل كثيرون غيره في مهاجرهم، فإن هذه الأرض يمكن أن تكون محضنًا للفكر الإسلامي إذا تطور بحريةٍ في هذا المجتمع الذي يمتلك البنية التحتية المناسبة، والذي توجد فيه إمكانيات التحاور مع كل الآراء والتجارب البشرية والتفاعل معها. هذا فضلا عن الاستفادة من معرفة النظام السياسي الأمريكي ومن وزن أمريكا عالميا بحيث يُطرح على الأقل أن هناك فكرًا إسلاميا مختلفا عن المألوف والمعروف ويمكن أن يساهم في العطاء العالمي والإنساني.
وليس معنى هذا الكلام أسلمة أمريكا، فأمريكا بظروفها الراهنة لن تُسلِمَ بسهولة، وقد يكون جيدا الآن لو أنها تنصَّرت على الأقل.. لأنها بعيدةٌ تماما عن هذا الموضوع. وإنما المقصود أنه من الممكن أن يتطور فكرٌ إسلاميٌ ناضجٌ رشيدٌ بهدوء وبعيدا عن الضجة والتيارات الصاخبة، بحيث يكون تيارا متفاعلا مع العالم، وموصولًا في الوقت نفسه مع الأحداث في البلاد العربية والإسلامية.
وفوق ذلك فإن الفرصة فريدة هنا للبحث نظريا وعمليا في مسائل تجديد الفقه ومسائل الاجتهاد بسبب الوجود الإسلامي المتزايد باضطراد، وبسبب نوعية الواقع المختلفة تمام الاختلاف عن الواقع الذي نتجت فيه كثير من الفتاوى والأحكام الفقهية على مدى تاريخنا. وإذا كان البعض يسمي هذا فقه الأقليات فلا مانع عندي من استخدام مختلف المسميات، وإن كنت أعتقد أن مثل هذه المحاولات ستفتح مسالك أخرى للتفكير وستؤثر على فقه الأغلبية في نهاية الأمر.
إن الاستقطاب الموجود في بلادنا لا يسمح - للأسف - بنوعٍ من الحوار المفتوح على مختلف المواقع، فإما أن تكون مع هذا الطرف أو ضده على طول الخط. بينما يمكن لنا هنا أن نعرف موقف الآخر منّا وأثره فينا، ونتعلم كيف نُعدِّل من أفكارنا أو أوضاعنا بناءً على آراء الآخرين وخبراتهم المتراكمة. وكل هذا يزيدنا نضجًا ويزيد تفكيرنا عمقًا وحوارنا رُشدًا..
- الرشاد: استطرادًا لسؤالنا السابق، وإذا انتقلنا من البحث في الغاية إلى البحث في الوسيلة، هل ترون أن التركيز على الشأن السياسي والإعلامي هو المدخل الصحيح على المدى الطويل لتحقيق تلك الغاية؟ أو بكلام آخر: ما هي برأيكم أولويات هذا الوجود؟ ثم ما هو بالتحديد دور العامل الثقافي والفكري في هذا المجال؟
- الدكتور فتحي: إن دور العامل الثقافي والفكري مهمٌ جدًا، لأننا نريد أن نقنع من نخاطبهم ونحاورهم بأن هذا الفكر متميزٌ ويستند إلى قاعدةٍ علميةٍ وثقافيةٍ متينة. وإنه لن يحل الإشكال صدور تصريحٍ لصالح المسلمين، أو أن تستضيف السيدة الأولى بعض المسلمات، أو أن يتصل الرئيس بمجموعةٍ إسلامية أو يرسل رسالةً إليها..
إن السياسيين يبحثون عن شيئين: الفكر والكتلة البشرية، وإذا ما ركَّزنا على الكتلة البشرية وتركنا الفكر بحيث تصبح المسألة مسألة أصواتٍ انتخابية، فإنني أخشى أن يكتشفوا بالتجربة أننا نُقدّم بالونًا كبيرًا ليس بداخله شيء.. فمعظم المسلمين - وخاصةً منهم المهاجرون – لا يُصوِّتون في الانتخابات، ومن يعمل مع السياسيين وإن كان نشيطًا فإنه قليلٌ جدًا، ولكن الساسة يلعبون بأي ورقةٍ سياسية ممكنة، فلندع اللاعبين يلعبون على أي حال.. ولكن في الوقت نفسه يجب أن يؤازر هذا ويدعمه عملٌ فكري وعلميٌ كثيف. ولا مانع من أن تكون هناك واجهات سياسية من مثل ما كان المرحوم البنا يسميه (الفاترينا).. ولكن المشكلة أن لا تعود هناك فاترينا للمحل، بل يصبح المحل كله (فاترينا).. وهذه الواجهات تعمل وتبذل جهودها، فهناك بشرٌ مؤهلون لهذا وليس من طبيعتهم التفكير العميق أو التخطيط العميق، ولكن في الوقت نفسه لابد أن يكون هناك ذلك المحضن الفكري، أو تلك الورشة التي تشتغل بجدٍ لتخريج الأفكار.
ولابد أن يضع العاملون في هذه الورشة في أذهانهم - والقياس مع الفارق - أنهم الآن في أقدام لينين وماركس.. بمعنى أنهم قد يبدؤوا تغييرًا أساسيًا يؤثر في العالم. وقد قصدت أن لا أقول: في أقدام محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يُقال أنه كان معه الوحي ونحن ليس معنا الوحي وغير ذلك من مثل هذه الأفهام..
وكذلك فإن من الضرورة أن ندرك نحن المسلمين أن ما ندعو إليه ليس شيئًا سهلًا يمكن قبوله بسهولة وإدخاله في المنظومة العالمية الموجودة حاليًا. إننا نقدم شيئا مخالفًا للغاية وهو لذلك يحتاج إلى إعدادٍ وتربيةٍ وتكوينٍ وعملٍ ثقافي متطاول.. وإلى جانب النشاط الموضعي والمحلّي والمؤقت في أمريكا يجب أن يكون هناك نشاطٌ مؤسسيٌ فكري عميق يكون هدفه الجامعات ومراكز الفكر التي تتعامل مع الصفوة في مقابل رجال السياسة الذين يشتغلون مع الجماهير والعامة..
وعلى سبيل المثال فإن هناك البعض ممن يعمل في مجال الكتب التعليمية والاتصال بالمعلمين، بحيث لا تكون المدرسة الأمريكية نفسها جزءًا معاديًا للإسلام. ونحن نعلم أن المدارس الإسلامية لا تكفي وأنه لا يمكن لكل إنسان أن يذهب إليها حتى من المسلمين، فالمدارس العامة ستظل هي الأغلبية للمسلمين ولغيرهم، ولو استطاع بعض المتخصصين العمل على تغيير وضعية الكتب الدراسية بشكلٍ متدرجٍ من المراحل الابتدائية إلى مرحلة الجامعة لنتج عن هذا الأمر على المدى البعيد الخير العميم..
- الرشاد: لا يزال الحوار محتدمًا في بعض الأوساط الثقافية المهتمة بمسألة العلم والثقافة في الأمة حول ما يمكن أن نسميه بقيمة (العلم) ودوره اليوم. فالبعض يرى في العلم (خاصة في إطاره وصيرورته وإنجازاته الغربية) حلًا سحريًا حاسمًا لكل مشاكلنا، بل يرى فيه دينا جديدا لن يؤدي إلا للخير والجمال، وإلى كل ما ينادي به الإسلام من مقاصد ومبادئ وغايات. وبعيدا عن البعض الذي لا يرى في العلم الغربي غير الكفر والفسوق والإلحاد، ينادي البعض الآخر بضرورة التعامل العميق و المتوازن مع المنظومة العلمية الغربية، ويدعو للتفريق بين منطلقاتها المعرفية وتطبيقاتها من جهة، كما يدعو إلى الانتباه إلى طرائقها ومنهجيتها لمحاولة التمييز بين سلبياتها وإيجابياتها الممكنة، وعدم رؤية النتائج المتحصلة عنها على أنها (حتميةٌ) تمثل (الحقيقة) المطلقة التي ليس وراءها جدال. ما هو رأيكم - من منطلق معايشتكم المطولة للمنظومة العلمية الغربية - في مثل ذلك الحوار؟
- الدكتور فتحي: أنا رأيي طبعًا أن سلبيات العلم ظهرت في المجتمعات العلمية المتقدمة قبل أي مكان آخر. ومما حصل في هذا الباب – ويشكو منه المهتمون بالعلم – ذلك الفصام أو الهوّة بين العلوم التجريبية (الفيزياء والكيمياء والرياضيات والطبيعة) والإنسانيات (الآداب – التاريخ – الفن..) والعلوم الاجتماعية (علم الاجتماع – السياسة – الاقتصاد – النفس). فالعلوم الاجتماعية تحاول اللحاق بركب العلوم التجريبية وتبتعد عن الإنسانيات، بينما أصحاب العلوم التجريبية لا يعترفون بهؤلاء و لا بأولئك. ونتج عن هذا غياب القدرة على التعامل مع الجانب غير المنظور أو الملموس في حياة الإنسان، حتى تحول الأدب والفن إلى صناعةٍ بحتة، وصار الأدباء والفنانون اليوم يُخاطبون جمهورًا محدودًا جدًا يتناقص يومًا بعد يوم، فوصلنا إلى تدهور عامٍ يشكو منه كبار المفكرين في العالم.
وكذلك فإن من المشاكل التي نتجت عن التخصص الدقيق ذلك الفصل الحاد الذي لا نعرفه نحن المسلمين بين الروح والجسد؛ حيث أصبح بعض العلماء يتعاملون مع المخ، وبعضهم الآخر مع الجهاز العصبي، والبعض الثالث مع الأجهزة الأخرى دون باقي مكونات الإنسان، وهكذا.. المهم أن الاعتماد على العلم على أنه سيحل كل مشاكل الدنيا إنما سينتج عنه خيبة أمل، وإلا لحلَّ مشاكل أوربا وأمريكا التي تتخبط في مشاكل الجريمة والتعليم والأطفال والتربية.. والطريف أن العلم يأتيك بحلولٍ يظنها اكتشافًا مثل حملة تعاون الجيران على مراقبة الحي والتي تقترحها الشرطة اليوم ليقوم أهل كل حي بحماية حيّهم دون الاعتماد بشكلٍ كامل عليهم، بينما هذا الأمر موجود عندنا في تقاليد القرية منذ زمان طويل.
وفي الوقت نفسه فإنني ضد إنكار المكتسبات التي حصلت نتيجة البحث في العلوم الاجتماعية، ولا أوافق على المنهج الذي يعتقد أن أسلمة المعرفة يجب أن تبدأ من نقطة الصفر، فنحن نستطيع أن نناقش الغرب بمفاهيمنا القرآنية ولكن من خلال منطقهم المنهجي. إن الإسلام يرشّد القاعدة الفكرية والمنهجية للإنسان، بمعنى أنه يحدد: ما أهدافه؟ وما وسائله؟ وما طبيعة علاقته بالكون؟ ومن هذا المنطلق نستطيع أن نتفاعل مع العلوم الأخرى وننظر إلى الإنسان نظرةً موضوعيةً دون الظن بالحاجة إلى استخدام النظرة الميتافيزيقية البحتة.
وبالمناسبة، فإن من المشاكل في هذا المجال أن الفكر الإسلامي التاريخي (ونؤكد على كلمة الفكر لأن الحديث ليس عن القرآن والسنة)، أقول أن ذلك الفكر لا يُقدم لنا اليوم الإجابات المطلوبة على كثيرٍ من الأسئلة والإشكاليات. بينما التفاعل مع الفكر المعاصر يعطينا خلفيةً نُقدِّمُ فيها حتى علوم التوحيد والفقه من منظورٍ جديد. ولذلك فإن مما يؤلمني أن لا يوجد في أجيال المسلمين الجديدة – ولا في القديمة بطبيعة الحال - من يدرسُ الفلسفة.
لقد قال تعالى )وعلم آدم الأسماء كلها( وقال )ولقد كرّمنا بني آدم( وبهذه النظرة فإن لابن آدم نصيبًا من العلم والكرامة أيًا كان لونه وجنسه ودينه، والنظر إلى الإنسان غير المسلم والتعامل معه على أنه حيوانٌ أو شبه حيوان أفقدَنَا ولا يزال يُفقدنا الاستفادة من مكتسبات القبس الإلهي في أي إنسانٍ ولو كان كافرًا.. والمهم في النهاية أن نتوازن بين رؤيتنا للمشاكل الكامنة في العلم وبين تقديرنا واستفادتنا من إنجازاته الكبرى..
- الرشاد: لنأخذ مثالا محددا هنا أيضا حول الموضوع. في مسألة "الديمقراطية" كما تعلمون حوار حاد بين المثقفين. وهناك في اعتقادنا أربعة مواقف. سنتجاوز في هذا الحوار موقفين: الأول هو ذاك الذي يرى فيها كفرًا وإشراكًا، والثاني هو الذي يقبل بها تكتيكيًا على أمل القفز إلى السلطة وربما إلغائها بعد ذلك. ونود في هذا الحوار التركيز على الموقفين الباقيين: الأول هو الذي يقبل بالديمقراطية على أنها - في شكلها الراهن - (النظام) السياسي المثالي الذي يجب تطبيقه في كل زمانٍ ومكان، والثاني هو الذي ينادي بالتعاطي معها كنموذج متقدم في مسيرة الخبرة البشرية، ولكنه يرفض - معرفيا - القبول بأنها نهاية الطريق، ويطرح ضرورة وإمكانية تطوير (نظامٍ) سياسيٍ يستلهم مقاصد الإسلام وأصوله، دون التزامٍ بالصور التطبيقية التاريخية، كما يستلهم كل الإيجابيات الممكنة في النموذج (الديمقراطي) بعد تحليله وتفكيكه، بُغيةَ إبصارِ تناقضاته الهيكلية، بكل ارتباطاتها وتأثيراتها المتبادلة مع النموذج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي المصاحب. ما رأيكم في هذين الموقفين؟
- الدكتور فتحي: أنا مع الموقف الأخير، ولكن؛ حيث إن هناك فرقًا بين الفكر المحض وبين السياسة فإنني أخشى أن يكون هذا الموقف الآن حجةً للسياسيين في عدم تطبيق الديمقراطية، ولذلك لابد من التفريق بين الأمرين: فمن الناحية السياسية لابد من الإصرار على الديمقراطية كما هي موجودة بدل الحديث عن شيء آخر غير موجود الآن. وقد يصلح أن نطلق على الديمقراطية اليوم ما قاله ابن خلدون عن المَلَكية في زمانه بأنها الأمر الوجودي.
أما بالنسبة للأمر النظري فإن رأيي أن من غير الممكن أن تنقُدَ نظامًا من الأنظمة نقدًا محكمًا وأنت لم تتفاعل معه وتمارسه، ولذلك فإن كلّ نقدنا للنظام الديمقراطي مستمدٌّ من الغربيين أنفسهم. ويمكن أن يتركز جهدنا الآن في دراستها جيدًا ومحاولة تطويعها للواقع الاجتماعي في البلاد العربية والإسلامية. أما غير ذلك فرأيي الشخصي هو أن تغييرها جذريًّا الآن أملٌ بعيدٌ جدًا. والمطلوب أن يصبح لدينا أُصلاءُ ومراجعُ في الفكر الديمقراطي يمكن لهم أن ينقدوه من الداخل، تمامًا كما نقد ابن حزم المنطق اليوناني بعد خمسة قرون من ظهور الإسلام وكذلك نقده ابن تيمية بعد سبعة قرون وهكذا..
وأنا لا أقول هنا أنه لا يجب أن تكون لدينا أهدافٌ أخرى ونظرات مغايرة، كما أنني لا أقول أن واقع الديمقراطية في الغرب قريبٌ من الكمال. يكفي أن تجد في هذا البلد مرشحًا للرئاسة ينجح رغم كل الإشكاليات المالية والأخلاقية التي أثيرت حوله لمجرد أن يعلن أن الحالة الاقتصادية جيدة، بينما يفشل آخر لم يُجرح في شيءٍ إلا أنه ثقيل الظل أو ما إلى ذلك.. ولا شك أن هذا النوع من الإفراز أو النتيجة يندرج في إطار ما نسميه بالعامية (الكلام الفارغ). ولكن كل ما أريده هو أن يصبح لدينا أناسٌ متعمقون في التخصصات ذات العلاقة حتى يكون نقدُنا دقيقًا وصحيحًا وطرحُنا البديل قويًا ومقنعًا..
- الرشاد: يشكل المسلمون (أقليةً) في الولايات المتحدة عمليًا، وإن لم يُعترف بهم قانونيا على ذلك الشكل. ونعلم أن لكم اهتمامًا واسعا، وربما محاولات للكتابة فيما يسمى (فقه الأقليات). وفي هذا المجال تُـثار بعض الأسئلة الممكنة للبحث من مثل: هل يمكن القول بأن هناك فقه أقليات وفقه أكثريات في الإسلام؟ وهل يمكن الاستعاضة بفقه النوازل عن فقه الأقليات؟ وهل يُعتبر وجود المسلمين في الغرب من قبيل النوازل أم أنه يصبح مع الزمن وجودًا أصليًا؟ والأهم من ذلك فيما يتعلق بهذا الأمر: ما هي مصادر فقه الأقليات؟ أهي الرخص والضرورات والنوازل والواقع أم هي الكتاب الكريم مُنشِئًا والسنة منهجًا وبيانًا؟ لا شك أن الإجابة على هذه الأسئلة تحتاج إلى بحوث مطولة، ولكن، هل لكم بإلقاء بعض الأضواء المنهجية المحتملة على مثل تلك التساؤلات؟
- الدكتور فتحي: ابتداءً، أنا أعتقد أن مدخل الرخص والضروريات يعبِّرُ عما أسميه صراع اللافتات. بمعنى أن نحاول أن نأتي بلافتات وعناوين مقبولة وأن نخرِّج كل ظرف جديد على شيء قديم..
إن هذا الفقه مختلفٌ جذريًا عن فقه الضرورات وعن فقه النوازل، والمسألة هنا هي أن المجتمع تطور إلى حالٍ معين يغلب أن تتطور إليه المجتمعات الإسلامية بعد فترة من الزمن. والواجب علينا أن نستنبط من محاولات فقهائنا السابقين منهجًا ديناميكيًا (متحركًا) يتعامل مع المتغيرات كما يظهر بوضوح في القياس والاستحسان الحنفي وفي المصالح المرسلة والمقاصد عند المالكية وفي الاستصحاب عند الحنابلة والظاهرية، وكيف أنهم اعتبروا أن ما ورد في الكتاب والسنة لا يمكن أن يغطي كل الاحتياجات البشرية المتجددة في تفاصيلها وفروعها. ويكفيني في هذا الباب أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: فإن لم تجد.. وكأنه عليه الصلاة والسلام يُسلِّمُ بأن هناك أشياء لن يجدها معاذ في الكتاب والسنة.
إن مشكلة الفقه الإسلامي التاريخي أنه اهتمّ - نتيجة رغبة الفقهاء في معالجة واقعهم - بالجزئيات أكثر من اهتمامه بوضع النظرية والقواعد العامة. وكذلك بالنسبة إلى علم أصول الفقه الذي نتج عن ممارساتٍ محددة حاول العلماء بعد ذلك أن يمنهجوها ولذلك ظهر علم أصول الفقه متأخرًا نسبيًا. من هنا، فإننا بحاجة إلى تنظيرٍ عام وقواعد عامة تنبني على تفاعل أصول الشريعة ومقاصدها مع ظروفنا الراهنة وواقعنا المعاصر. وبناء منهجٍ كهذا المنهج بالنسبة للمسلمين في الغرب أو أمريكا يمكن أن يُطلق عليه البعض "فقه أقلية" إلا أنه مع الزمن سيفيد الأقلية والأكثرية في جميع البلاد..
- الرشاد: تُعتبر قضية تحديد الموقع الفاعل للإنسان ووجوده فيه مقدمةً منهجيةً حساسةً وأساسيةً لحياةٍ مثمرةٍ في هذا العصر على الصعيد العام قبل الخاص. وتزداد حساسيةُ القضية عندما يتعلق الأمر بالمفكرين المتميزين - والمعدودين للأسف - في كل أمةٍ من الأمم. لقد قرأ بعض أبناء جيلي لكم - في أوائل الثمانينيات الميلادية - كتاباتٍ طرحتموها في أوائل الستينيات، تتميز بدرجاتٍ مقدرةٍ من العمق والجرأة والأصالة، وكان هذا البعض يعجب وهو يراجع التجارب العملية التي عاصرتكم ويتساءل: أما كان الناس يقرؤون؟؟ وإذا قرؤوا أما كانوا يفقهون؟؟ من هنا، وبكثيرٍ من الصراحة نقول: إن صوت الدكتور فتحي عثمان مُفتقدٌ اليوم في الساحة العربية والإسلامية الكبيرة، بل وغائبٌ بشكل أو بآخر، فهل من أسباب هذا الغياب الضياع المتواصل للصيحات في وديان الفراغ؟
- الدكتور فتحي: المسألة تتعلق في الحقيقة بظروف الحياة. فأنا خارج مصر منذ عام السبعين، وفي السنوات الأخيرة فإن معظم كتاباتي بالإنجليزية، وربما خلق هذا كله فجوة بيني وبين الناشرين. كما أن البعض ممن كان ينشر لي توفّاهُ الله وأتى أولاده الذين يبحثون عن شيء مختلف.. وحتى بعض الأعمال التي أخرجتها ويعلم عنها البعض لم يحاول أحدٌ نشرها. وفضلًا عن ذلك فإنه من الناحية الشرائية ربما لا يكون كل ما أقوله مطلوبًا، مثل موقفي النقدي الصريح للحركة الإسلامية.. وإن كان الطريف أن البعض يطلب مني بالتحديد الكتابة في هذا الأمر فقط، ربما ليوظّف كلامي في خدمة جهاتٍ معينة، لكنني أرفض لأنني لا أرى من العدل والأخلاق أن أنقد هؤلاء وهم لا يستطيعون الرد عليً لظروفهم المعروفة..
كل هذه الظروف جعلتني لا أنشر في البلاد العربية، لكن هذا لا يعني أنني مُضربٌ عن ذلك أو أن تلك البلاد غير مهمة. بل إنني أعتز كثيرًا بكل القديم الذي نُشر لي وتأثر به بعض الشباب والمثقفين..
- الرشاد: واستطرادًا، نعلم أن لكم كتابا موسوعيًا صدر باللغة الإنكليزية بعنوان (المفاهيم في القرآن الكريم / قراءة تصنيفية موضوعية). فهل لكم أن تحدثونا عن هذا الكتاب وعن مشاريعكم الأخرى الحاضرة والمستقبلية؟ وبالمناسبة هل في نيتكم إصدار الكتاب باللغة العربية؟
- الدكتور فتحي: حيث أن القرآن الكريم بترتيبه الراهن غير مرتبٍ زمنيًا ولا موضوعيًا، فإن التعامل معه يصعب على الأجيال الصاعدة في أمريكا وكذلك على الباحثين والإعلاميين. فلم يعد من الكافي أن نقول لأحد هؤلاء إذا سأَلَنا عن موضوع المرأة أن هناك كتابًا جيدًا عن المرأة، لأنه يريد أن يعرف ماذا يقول القرآن بالتحديد.
ومن هنا ففكرة الكتاب هي القيام بتصنيفٍ موضوعي لآيات القرآن الكريم انطلاقًا من القراءة الكلية لما ورد فيه حول كل موضوعٍ من الموضوعات، بدلًا من القراءة المجتزأة التي تظلم التصور الكلي لرؤية القرآن لكثيرٍ من تلك الموضوعات الخطيرة..
أما بالنسبة إلى صدوره بالعربية فإن جهد الترجمة جهدٌ كبيرٌ يأخذ وقتًا مقدرًا، وأنا في أواخر العمر أحاول التفرغ لأشياء أخرى أستطيع القيام بها من باب الاقتصاد في الطاقة.. ولو أن أحدًا أو جهةً ذات قدرة تولّت الأمر فليس عندي مانعٌ على الإطلاق..
- الرشاد: عودةً إلى الواقع الإسلامي العام قبل ختام لقائنا، ما هي قراءتكم لبعض التجارب المتميزة المعاصرة في العالم الإسلامي اليوم، من مثل التجارب القائمة في ماليزيا أو تركيا؟ لاسيما وأن المسلمين اليوم، وقد اشتدّت عليهم صور الآلام والنكبات والتجارب المتعثرة باتوا يركضون في اتجاه كل تجربةٍ جديدة على أنها (النموذج) و (المثال) و (الحل).. فهل تمثل إحدى هذه التجارب أو غيرها برأيكم (الحل) النموذجي لكل المتحرِّقين؟ أم أنها (نماذج) و (أمثلة) و (تجارب) على طريق الوعي الذي لابد أن تقطعه الأمة على مر الزمان؟
- الدكتور فتحي: إن هذه التجارب جيدةٌ جدًا لأنها بدأت من الطرح للواقع والقراءة فيه، وهذا مسلكٌ منهجيٌ أصيل. إن على الإنسان المسلم اليوم أن يعرف الواقع جيدًا، أي الواقع العملي والدراسات النظرية عن الواقع في العلوم الاجتماعية والإنسانية، بحيث يتحول بعد ذلك إلى الأصول الإسلامية في القرآن والسنة ثم ينظر في تراث الفكر الإسلامي لتتكيف بهذا كله استجابته للواقع.
والذي حصل في حالة أربكان ومهاتير محمد أن هؤلاء زعماء سياسيون، فكان بحكم الطبيعة أن يبدأ عملهم من الواقع. ومفرق الطريق بالنسبة لهم ولغيرهم أن توجد وراءهم مدرسةٌ فكرية تستطيع أن تساعدهم وتدعمهم، لأنه بغير ذلك ستمر هذه التجارب على أنها تجارب سياسية، ولكل تجربةٍ سياسية حسنات وسيئات، وربما تؤخذ على هذه التجارب سيئاتُها فتُسلّطُ على أصحابها الأضواء بأنهم مسلمون أتوا إلى الحكم ولم يقوموا بتغييرٍ حقيقي وغير ذلك..
ومن أكثر ما أخافه على هذه التجارب الجماهير الإسلامية التي لم تستعدّ لهذا التغيير الذي تكون فيه البداية من الواقع وليس من التراث، بحيث لا تُنصفُ تلك الجماهير هذه التجارب ولا تفهمها كما حدث مع أربكان في كثيرٍ من المواقف.. ولذلك فالمطلوب بإلحاح هو وجود تلك المدرسة الفكرية التي يتحول الأمر بواسطتها إلى تيارٍ في السياسة الماليزية وتيارٍ في السياسة التركية بحيث لا يكون الأمر معتمدًا فقط على أفراد. وحيث إنني لا أعرف دخائل التكوين هناك فالشاهد أن هذه محاولاتٌ جيدة إذا ما أُخذت الفكرة العامة منها وجرى تعميقها وتعميمها في باقي الاتجاهات.
- الرشاد: ختامًا، نطرح في مركز دراسات الثقافة والحضارة الدعوة إلى شباب هذه الأمة وكبارها للخروج من عقدة (الاستصغار) التي تقتلُ الطاقات الفتية، وتئدُ المواهب الواعدة، وتكبتُ الاستعدادات المتميزة. ونعتقد يقينًا أن هذه الأمة - بعقيدتها المتحركة النابضة بالحياة - تمتلك قدرةً متميزة على الاستجابة لعوامل التحدي الحضاري، تُولَدُ من خلالها - من رحم المعاناة والتجارب - انطلاقاتٌ فذةٌ في كل مجال وعلى كل مستوى لتساهم في قيادة التغيير... بعيدا عن المعاني التقليدية التي ترد في مثل هذا السؤال: ما رسالتكم إلى مثل تلك الطاقات والمواهب والاستعدادات، وهي كثيرةٌ في الأمة بحمد الله، في غياب المقاييس الإسلامية الحضارية الناظمة لأسس التعامل في مثل هذه المجالات.. وفي غياب عمليات التشجيع والدعم والرعاية والقبول، بل والدفع إلى مواقع مقدرة من العمل والعطاء والإنتاج؟ وهل تتم عملية التواصل الحضاري بين الأجيال في رأيكم في وجود كل المعاني التي تندرج في خانة ذلك (الاستصغار)؟ وما هي مسؤولية المخضرمين على هذا الصعيد؟
- الدكتور فتحي: إن رسالتي للشباب أن يتجنبوا ما وقعنا فيه ونحن شباب. بحيث يعلموا أن التطور الذي يستمر من عصر النهضة إلى اليوم ويقوم على الجدّ والعقلانية لا يُواجه إلا بأقدارٍ موازيةٍ من الجد والعقلانية والعمل المكثف الذي يرتكز إلى الكتاب والسنة ويتمحور حول الاجتهاد. ولذلك فإنني أرجو أن لا يتمحور جهد الشباب حول وضع الكتب والأفكار القديمة في مظهرٍ جديدٍ وصورةٍ جديدة، وإنما في إبداع كتبٍ وأفكار جديدة. وكم يعجبني ما قاله الدكتور القرضاوي بأن الأصل في المعاملات الابتداع والأصل في العبادات الاتِّباع..
ولا يعني التعمق الفكري عندي - بطبيعة الحال - الانعزال عن واقع المسلمين، ولكن المقصود أن لا تُستهلك الجهود بحيث تكون النتيجة سطحيةً فُقاعيةً، فمتابعة الواقع لا تعني الانجراف وراءه بحال..
أما فيما يتعلق بمسألة الاستصغار فهي للأسف اتجاهٌ مَرَضِيٌ يقع فيه الكثير من (الكبار).. ولا أعتقد أن المسألة هي مسألة احترامٍ للسن والخبرة لأن النقد والتغيير يمكن أن يكون في ظل الأدب والاحترام الواجبين، وإنما تكمن الإشكالية في عاملين: الأول أخلاقيٌ بحت، وهذا يجعل الإنسان يرضى بأن يحتكر مواقع معينة، والثاني يتعلق بالأنانية والمنافع التي تتعلق باحتكار الموقع ماديةً كانت أو معنوية.. والأنانية في النهاية تجعل الإنسان يتصرف - وإن لم يُعلن ذلك - على أنه مركز الكون، وهذا كله ليس من الإسلام في شيء.
بل إنني قد أذهب إلى أبعد من هذا لأُعلن أنني أعتقد أنه لا أمل - بشكلٍ عام - في الأجيال القديمة التي تربَّت على أفكار معينة، لأن التغيير بعد سنٍ معينة إن لم يكن مستحيلًا فهو صعبٌ جدًا.. ولذلك فإنني أظن أنه ليس هناك أصلًا أملٌ إلا في الأجيال الجديدة التي تنشأ بتربيةٍ جديدةٍ صحّيةٍ تُغيرُ معظم المفاهيم التقليدية.
والحقيقة أن إيماني بالأجيال الناشئة ناتجٌ عن تجربةٍ عملية وإن كنت لم أكتب عنها سابقًا أو أتحدث فيها لأنها قد تبدو مسألةً شخصيةً. ففي معظم زياراتي ولقاءاتي أجد أن أغلب - إن لم يكن كل - من يحاورني ويذكرني ويتابع ما أقول إنما هو من الشباب.. ومثل هؤلاء يجب أن يتسنّموا مراكز القيادة في الحركات والتجمعات لأنهم حاسمون وقادرون على نفي المتناقضات التي تعودنا كشعوبٍ وكحركاتٍ وتجمعات على معايشتها مدة طويلة. وخاصة أن زعماء الحركات كان ولا يزال نهجهم أن يعايشوا المتناقضات ولا يصدموا أتباعهم باختيارٍ محددٍ لا يجتمع فيه النقيضان، فالبعض يريد أن يكون طريقةً صوفية وجماعةً سلفية وهيئةً اقتصادية وحزبًا سياسيًا في الوقت نفسه.. والبعض لا يريد أن يتخذ موقفا لكي لا يصدم أحدًا في الموزمبيق أو بلاد الماوماو وغير هذا من الأمور..
وختامًا، فإنني آمل أن يتذكر الشباب دائمًا أننا لسنا بصدد إصدار قرآنٍ جديد خالدٍ وثابت، وليست تلك مهمتنا، وإنما مهمتنا أن نُحدِّد ونخصِّص ونُفرِّع لزمانٍ ومكانٍ معينين، وقد يظهر في اجتهادنا خطأٌ من جارنا القريب، وقد يظهر الخطأ فيه بعد خمس دقائق.. ولكن لابد لكلمة الحق أن تُقال مهما كان. فإرضاء الناس جميعا غايةٌ لا تُدرك، ولا بد لكل كلمةٍ تُحدد حقًا وتُفصّلُ أمرًا وتمسُّ مفصلًا من مفاصل تفكيرنا أن ترضي قومًا وتُغضب آخرين..
* حوار سبق أن أجرته مجلة «الرشاد» مع الدكتور محمد فتحي عثمان قبيل وفاته (رحمه الله). نخص قراءنا بإعادة نشر هذا الحوار إلكترونيًا بعد غيابه عن الشبكة إثر تحديث موقع المجلة.
أصدرت دار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، «وثيقة القاهرة للفتوى وحماية الأسرة»، والتي تمثل واحدة من أبرز مخرجات المؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء، الذي انعقد يومي 2 و3 سبتمبر 2026 تحت عنوان «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى: مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»، تحت رعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، لتقدم الوثيقة رؤية إفتائية متكاملة تنطلق من مكانة الأسرة بوصفها المؤسسة الاجتماعية الأولى والوحدة الأساسية في بناء المجتمع والحفاظ على استقراره وهويته، وتستند إلى ما قرره القرآن الكريم والسنة النبوية من منظومة متكاملة لحماية الأسرة وتنظيم العلاقات داخلها، مع استحضار التحولات الاجتماعية والثقافية والتقنية والاقتصادية والفكرية المتسارعة التي أفرزت تحديات جديدة تستدعي تطوير أدوات الإفتاء وآلياته.
وتؤسس «وثيقة القاهرة» لمنظور متكامل لحماية الأسرة لا يقف عند حدود المعالجة التشريعية أو التعامل مع المشكلات بعد وقوعها، وإنما يمتد إلى بناء منظومة وقائية وإصلاحية تبدأ بتثبيت الأسس الإيمانية والقيمية التي تقوم عليها الأسرة، وتنظيم الحقوق والواجبات على أساس من العدل والتوازن، وتفعيل آليات الإصلاح والوساطة والدعم الاجتماعي، مع جعل مقاصد الشريعة في حفظ النسل وصيانة الكرامة الإنسانية وتحقيق العدل والاستقرار إطارًا حاكمًا للاجتهاد في النوازل الأسرية المعاصرة، بما يقتضي الجمع بين ثبات الأصول وفهم الواقع واستشراف المآلات والنتائج النفسية والاجتماعية والتربوية المترتبة على الفتوى.
وفي مواجهة التحولات الكبرى التي تشهدها المجتمعات، تتبنى الوثيقة معالجة متعددة الأبعاد تستوعب أثر تصاعد النزعة الفردية، وتغير منظومة القيم، وتراجع بعض أنماط التواصل الأسري المباشر، وارتفاع معدلات الطلاق والتفكك، إلى جانب الضغوط الاقتصادية الناتجة عن ارتفاع تكاليف الزواج والسكن والمعيشة والبطالة والديون، بما يدعم الوعي الأسري، ويعزز قدرة الأسرة على مواجهة الأزمات والتكيف مع المتغيرات مع الحفاظ على ثوابتها وقيمها الأساسية.
وضمن هذا الإطار، يحظى التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي باهتمام خاص في الوثيقة، انطلاقًا من تأثير المنصات الرقمية ووسائل التواصل والخوارزميات في أنماط التواصل والعلاقات داخل الأسرة، بما توفره من فرص في التعليم والإرشاد والخدمات، وما قد ينتج عن الاستخدام غير المنضبط لها من مخاطر تتعلق بضعف الحوار المباشر وانتهاك الخصوصية والابتزاز الإلكتروني والمقارنات الاجتماعية والتعرض للمحتوى الضار، إلى جانب التزييف العميق والعلاقات الافتراضية والتفاعل العاطفي مع الآلات، مع التأكيد على ضرورة بناء تربية رقمية واعية، وحماية الأطفال والبيانات والخصوصية، ووضع ضوابط شرعية وأخلاقية للتطبيقات المرتبطة بالقرارات الأسرية الحساسة، وعدم الاستغناء عن الإشراف البشري المؤهل في القضايا التي تتطلب تقديرًا شرعيًّا وإنسانيًّا دقيقًا.
وتضع الوثيقة مصلحة الطفل وسلامته في قلب منظومة الحماية الأسرية، بما يضمن توفير بيئة آمنة ومستقرة تكفل احتياجاته النفسية والتربوية والاجتماعية، مع معالجة القضايا المتصلة بالحضانة والرؤية والنفقة والكفالة، ووضع مسارات آمنة للتعامل مع العنف الأسري والإدمان والابتزاز الإلكتروني وغيرها من المخاطر، إلى جانب توسيع مظلة الحماية لتشمل الفئات الأكثر احتياجًا، ومن بينها الأيتام والمكفولون وذوو الإعاقة وكبار السن والأرامل والمطلقات والأطفال المتأثرون بالنزاعات والأسر الفقيرة والمهاجرة، بما يعزز مفهوم المسؤولية المجتمعية المشتركة تجاه الأسرة وأفرادها.
وفي المجال الفكري والحقوقي، تطرح الوثيقة معالجة متوازنة للقضايا المتصلة بالمرأة والأسرة والهوية، من خلال التمييز بين المطالب المشروعة المرتبطة بالكرامة والعدل ورفض العنف والتمييز، وبين التصورات التي قد تؤدي إلى تقويض البناء المؤسسي للأسرة أو تحويل العلاقات الأسرية إلى علاقات مؤقتة تحكمها المنفعة، مع التأكيد على احترام الخصوصيات الدينية والثقافية، ورفض فرض نموذج ثقافي واحد على المجتمعات، واعتماد الدراسة العلمية المتأنية عند التعامل مع الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالمرأة والأسرة، والتمييز بين نصوص الاتفاقيات وتفسيراتها وتوصياتها اللاحقة، مع بيان مواطن الاتفاق أو التحفظ واقتراح البدائل التشريعية والحقوقية الملائمة.
وعلى المستوى الاقتصادي، يمتد هذا التصور إلى تفعيل أدوات الزكاة والوقف والتمويل وبرامج الدعم والسكن، ومساندة الأسر التي تواجه أعباء المعيشة وتكاليف الزواج، والدعوة إلى سياسات اجتماعية تراعي احتياجات الأسر متعددة الأبناء وتدعم استقرارها، إلى جانب إنشاء مجالس استشارية أسرية تضم المتخصصين في الإفتاء والقضاء والتعليم والصحة والتضامن الاجتماعي، بما يرسخ التكامل المؤسسي ويحول دون معالجة قضايا الأسرة بصورة مجزأة.
وتقدم «وثيقة القاهرة للفتوى وحماية الأسرة» في مجملها تصورًا جديدًا لدور الفتوى في حماية الأسرة، ينتقل بها من الاستجابة للمشكلة بعد وقوعها إلى بناء منظومة استباقية للوقاية والتأهيل والإرشاد وصناعة الوعي، ويربط بين التأصيل الشرعي والمقاصدي وفهم التحولات الكبرى والاستفادة المنضبطة من التطور التقني والتكامل مع مؤسسات الدولة والمجتمع والبحث العلمي، بما يعزز قدرة الخطاب الإفتائي على مواكبة القضايا الأسرية المتجددة، ويحافظ على ثوابت الأسرة وقيمها، ويدعم تماسكها واستقرارها، ويؤهلها لمواجهة تحديات المستقبل في عالم سريع التحول.
وتختتم الوثيقة رؤيتها بمجموعة من المسارات التنفيذية الموجهة إلى الحكومات والبرلمانات ومؤسسات الإفتاء والجامعات ومراكز البحث، تشمل مراجعة التشريعات ذات الصلة بالأحوال الشخصية، وتوسيع برامج تأهيل المقبلين على الزواج، وتوفير الدعم الاجتماعي والسكن الملائم، وتعزيز حماية الطفل والأسرة في البيئة الرقمية، وإنشاء وحدات متخصصة في الإرشاد والوساطة الأسرية، وتطوير المحتوى الإفتائي الرقمي، وإطلاق حملات دولية دورية للتوعية بقضايا الأسرة، وإنشاء كراسي ومراكز بحثية متخصصة في فقه الأسرة المعاصر ومقاصد الشريعة وحماية الأسرة، وتطوير المناهج الأكاديمية، وإقامة شراكات بين العلوم الشرعية وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلوم الأسرة، إلى جانب اعتماد أدوات علمية لقياس أثر الفتوى الأسرية في مؤشرات التماسك والاستقرار الاجتماعي.
* وثيقة القاهرة للفتوى وحماية الأسرة.. إحدى أبرز مخرجات المؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء، خبر منشور بموقع دار الإفتاء المصرية، متاح عبر هذا الرابط: https://h1.nu/1E9iQ.
(الجزء الأول)
الأستاذ الدكتور فتحي عثمان علمٌ من أعلام الفكر العربي والإسلامي المعاصر الذين أسهموا مبكرًا وبشكلٍ جديٍ في معالجة إشكاليات الفكر التقليدي الذي يقف عند مراحل معينة في التاريخ، وتحليل ودراسة ما نتج عن ذلك الفكر من تطبيقات عملية وحركية على أرض الواقع. وقد مكّنته خلفيته العلمية الموسوعية - من الآداب إلى العلوم السياسية مرورا بالحقوق - وتجربته العملية الواسعة في مجالات التدريس والتأليف والصحافة، وصلاته الممتدة بكثير من العاملين على أرض الواقع، من طرح رؤية متميزة في كثير من المجالات. وقد تفضل مشكورا ببذل وقتٍ مقدر في هذا اللقاء الثري مع الرشاد، والذي ننشره على جزءين. كما تفضل بالسماح لنا بأن ننشر مجموعة من كتاباته غير المنشورة في الأعداد القادمة بإذن الله.
- الرشاد: نبدأ بالماضي محاولين ربطه بالحاضر. منذ أكثر من عشرين عاما كتبتم هذه الكلمات: "لقد شبع الناس منا كلاما عن واقعية الإسلام وعن صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان نظرا لمكانة الاجتهاد في شريعته. ولكن هذا الاجتهاد مظلوم بيننا: إما ألا يمارس على الإطلاق، وإما أن يمارس في سطحية مروعة.." اليوم، وبعد كل هذه الأعوام، وبعيدا عن الشعارات واللافتات، هل لا نزال في ذلك الموقع نفسه، أم أننا تقدمنا بضع مراحل على الطريق؟ وفي كلتا الحالتين: ما تحليلكم لأسباب المراوحة أو التقدم؟
- الدكتور فتحي: أحب في البداية أن أعبر عن سروري من هذه الأسئلة، وما يبشرني أكثر أنها تُثار من الشباب لأنهم يمثلون المستقبل، ولأن هذا ربما يدل على أنهم خرجوا من قوقعة الأفكار والحركات التي بدأت منذ نصف قرن أو أكثر.. وما تزال تحتكر الساحة بحيث أن الأجيال الجديدة ما هي إلا تنويعات على نفس اللحن. وما لم يوجد تغيير كيفي وليس كميّ في الفكر الإسلامي، تغيير في المضمون والنوع وليس فقط في الشكل والدرجة، فإنني أعتقد أننا نسير في طريق مسدود.
إن مقارنة العالم الآن بالعالم كما كان منذ خمسين أو سبعين عاما تُظهر أنه تغير تغيرًا نوعيًا وكيفيًا هائلًا في جميع المجالات. وعلى وجه الخصوص فإن الحواجز التي كانت قائمةً يومها كانت توحي لبعض الناس أنهم يستطيعون العيش وحدهم، كما عاشت الصين القديمة مدة طويلة، حتى لما جاءها الأسطول البريطاني قال أهلها: من هم هؤلاء البرابرة الذين أتوا يهاجمون شنغهاي؟ ولقد ظن كثيرٌ من المسلمين أنه يمكن أن توجد صينٌ أخرى هي العالم الإسلامي، يشكّلونه ليس فقط بالمثل والقيم التي يريدون، لأن القيم والمثل لا تتغير كثيرا، وإنما أيضا بتطبيقات الماضي وأفهامه وأساليبه. بل إن البعض لا يزال يعيد ويكرر حتى المصطلحات والكلمات نفسها، وتثور عندهم معركة طويلة حول الحاجة إلى المصطلح الجديد، لأن كل المصطلحات القديمة فيها الكفاية والاستغناء عن كل جديد.
إن الاجتهاد اليوم يُمارس أحيانا من حيث الدرجة والجزئيات، ولا يمارس من حيث كونه اتجاهًا عامًا في فهم مشكلات عالم اليوم. فمثلا تُثار قضايا جزئية مثل بعض أعمال البنوك، وبعض أعمال شركات التأمين، وسندات الاستثمار وغيرها.. وتصدر الفتاوى في بعض هذه الجزئيات. ثم تحدث ضجة لا تتناسب مع الكيفية ولا حتى الدرجة أو الكمية للجزئية المطروحة. وفي نظري أن هذا لا يمثل علامة صحة؛ لأنه طالما أننا لا ندرك الطريق العام أو المجرى الواسع الأصلي للتعامل مع هذه الأمور، فإننا سنضيع تماما في الحواري والأزقة الفرعية. وفي اعتقادي أن الأمر أكبر من البحث في الجزئيات، وربما نشبهه - مع الفارق - بخروج المسلمين من مجتمع المدينة المنورة والجزيرة العربية إلى العالم الواسع، حين واجه أمثال أبو حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم ذلك التغيير النوعي الهائل، فتعاملوا معه بمنهج رائع، حتى نتج في حياة فرد واحد هو الشافعي مذهبان مختلفان في بيئتين قد يكونا من ناحية البنية التحتية الاقتصادية متشابهتين (زراعة - نهر كبير..). لقد رأى أسلافنا واقعًا مغايرًا لمجتمعات مكة والمدينة، فتعاملوا معه بمناهج جديدة، إما عن طريق القياس والاستحسان في المذهب الحنفي، أو عن طريق المصالح ومقاصد الشريعة في المذهب المالكي، أو عن طريق الاستصحاب عند الحنابلة والظاهرية، وما إلى ذلك.
فأنا أعتقد أن المسلمين الآن يواجهون مثل ذلك التغيير الهائل ومثل تلك النقلة البعيدة، وليس هذا فقط في البنية الاقتصادية والتكنولوجية، بل وأيضا في النواحي الفكرية، فقد قفزت إلى السطح علوم ودراسات مثل المستقبليات وإدارة الأزمات وغيرها. وبينما كان أستاذ الجامعة يُدرِّسُ الكتاب نفسه حتى يتقاعد، أصبح الآن يستعمل كتابًا جديدًا عن موضوع البحث في كل فصل دراسي. وواجبنا أن نواجه هذا التغيير الكيفي بنفس المنهج الذي وطّأهُ أسلافنا، وبنفس الجرأة والشجاعة التي تحلوا بها وهم يواجهون الجديد. وقد نتفق معهم في بعض الجزئيات التي نرى أنها لا تزال مناسبة لزماننا، ولكن الأصل لدينا يجب أن يكون هو فهم الواقع وما يحتاجه من تغيير في مناهج البحث. إن من الضروري جدًا أن نُقبِل بكل قوة وأصالة على دراسة الواقع، لأن الواقع هو الذي يكيف الاستجابة وليس العكس. إن الفقه مبني على واقع يواجه مشكلاته، ومن الطبيعي أنه لا يمكن لفكرٍ أو لفهمٍ مبنيٍ على واقع معين أن يُعالج واقعًا آخر مختلفا عنه أشد الاختلاف.
وأضرب مثلاً على المتغيرات مثلا من ناحية وضع الرجل والمرأة ومسألة عمل المرأة في المجتمع. ففي هذا المجال لا يكفي أن نقول أن الإسلام يفترض أن الرجل هو الذي يعول الأسرة. فقد أصبح هذا غير ممكن الآن نتيجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية في أغلب البلدان.. وأصبحت المرأة مطالبة بالعمل كواجب عليها وكحق لها. واجبٌ بالنسبة للأمة، وحق لها ينمي شخصيتها حتى بغض النظر عن الكسب المادي. ورغم ذلك فإن موردًا واحدًا لم يعد يكفي في معظم الأحوال، وأصبح لابد من تعاون الرجل والمرأة، وترتب على ذلك ضرورة النظر في مسائل تربية الأطفال والحضانات وما إليها من أمور نظرة أخرى.. كل هذا ليس فقط من باب عموم البلوى بحيث أنه شيء طارئ وسينتهي، وإنما من باب أنه أصبح هناك تغير جذري في بنية المجتمع. ومع مثل هذا التغير يصبح القول بأننا نريد العودة للإسلام، وتطبيق مبدأ أن المرأة في الإسلام لا تعمل، يصبح ذلك نوعا من الصدّ عن سبيل الله، لأن قائل ذلك يطلب - ضمنيا - أن تكون الأسرة المسلمة في وضعٍ تستحيلُ معه الحياة مع مبادئ الإسلام وقيمه كما يفهمها، أو أن نستعيض عن الإسلام بمبادئ وقيم أخرى يُمكن معها استمرار الحياة.
وفي مجال آخر نجد كيف يدور النقاش في مسألة الفائدة. وبعيدا عن الإفتاء في هذه القضية، نرى كيف تمّ ويتم استخدام عقد المرابحة الذي اكتشفه البعض عند الفقهاء بديلا للفائدة.. ولم يجرِ بحثٌ في مسائلَ ذات علاقة وثيقة بالموضوع مثل الإشكاليات التي تنتج عن التضخم أو عن تغير القوة الشرائية للنقد أو المبالغ التي تُدفع كَسِمةٍ مقابل الخطر في النقل وغير ذلك، وكيف يمكن حماية حقوق جميع الأطراف وسط هذه المتغيرات التي تُسقط كلها وتبقى مسألة أن البنوك الأخرى تُقرض تحت قانون الفائدة، فيصبح البحث عن الطريقة التي نستطيع عبرها أن نحقق لزبائننا الميزة نفسها بواسطة التنقيب في كتب الفقه القديمة حتى نصل إلى جزئيةٍ شبيهةٍ يُمكن أن نُخرِّج عليها نوعا من المعاملات، ونكون حللنا بذلك كل المشاكل.
إنني أعتقد أن هذه العقلية تمثل عقبة في وجه عملية الاجتهاد الأصيلة. فبهذا الشكل سيظل اجتهادنا في نطاق الجزئيات أو في نطاق الألفاظ، بحيث يكون كل هدفنا التنقيب في القديم عن شيء نضعه عنوانا لشيء جديد، وهذا سيقودنا إلى طريق مسدود لأن المتغيرات لا تنتهي، ومن المستحيل محاولة مواكبتها بتلك الطريقة. والحل هو أن نعيد اكتشاف الدينامية الرائعة التي انبثقت عن الفكر الإسلامي، والتي تمثلها سلفنا من الفقهاء المجددين، لنستخدمها في إنتاج شيء آخر يناسب هذا العصر وهذا الزمان.
- الرشاد: مرة أخرى نعود إلى كلماتكم في الماضي، ولكن بشأن العلاقة بين "الفكر" و "الحركة" هذه المرة، قلتم يومها: "يحتاج [الإسلام] لرفع المتناقضات بين (الفكر) و (الحركة)؛ إذ أصبح الفكر (تيها) بين أكداس المصنفات والآراء والكلمات لا يتبين معه نقطة بدء ولا اتجاه سير. وأصبحت الحركة سذاجة وسطحية واعتسافا في الفهم والعمل دون محاولة للتعرف المنهجي الأساسي على الفكرة أو على الواقع.." والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان في هذا المجال بعد كل التجارب التي شهدها عالمنا الإسلامي في العقدين الماضيين: لماذا لم يأخذ (الفكر) حتى أيامنا هذه دوره المنتظر وموقعه المطلوب؟ لماذا لا يعود (العلم) ليكون إماما (للعمل) كما رفع علماؤنا الشعار في زمان سحيق؟
- الدكتور فتحي: في الحقيقة، أعتقد أن المشكلة الأساسية في هذا المجال أن الحركة لم تعد (حركةً) بالمعنى المنهجي المُفترض لتلك الكلمة. إن الحركة تفترض دائما بطبيعتها التغيير والتحرك، بينما الواقع أن الحركة جمدت في إطارات تاريخية مشكورة لاجتهادات السابقين مثل حسن البنا أو الأفغاني أو المودودي.. وفي حين أن كونها حركة كان يقتضي أن تواصل مواجهة المتغيرات والمتجددات، باتت الكتابات التي صدرت من خمسين أو سبعين سنة تُعاملُ كأنها تنزيلٌ من التنزيل لا ينبغي أن يتغير. لقد رأيتُ حوارا قريبًا في جريدة إسلامية لأحد قادة الحركة وكان يرجع باستمرار إلى كتب مؤسس تلك الحركة وكأن ما فيها يصلح لمواجهة واقعنا اليوم بكل متغيراته، حتى إن من يحاوره تساءل عن سبب عدم استشهاده بالكتاب والسنة بالدرجة نفسها.. المهم.. دعنا ننظر إلى ما يحدث في العالم لأنه ليس كل ما يفعله الآخرون سيئ كونهم غير مسلمين. خذ مثلا الأحزاب السياسية التي تُصدر كل فترة بيانًا (مانيفيستو) يبين التغيرات والتحولات في برامجها واتجاهات أعضائها، فترى بعض أهل اليسار يتحركون إلى الوسط، وكذلك بعض أهل اليمين، وهناك أجنحة في كل اتجاه، مثل يمين الوسط أو يسار الوسط أو يمين اليسار. ونحن نتحدث عن تغيرات تحدث كل ثلاث أو أربع سنوات وليس كل سبعين سنة.. بينما جمدت الحركة عندنا عند رموزها الأولى، بل عند سوابقهم العملية، وليس فقط عند تراثهم الفكري. ففلانٌ كان يفعل كذا عندما حدث كذا، وواجه الموقف الفلاني بالتصرف الفلاني..
وقد يتساءل البعض، ألم تكن هذه الحركات أصلا حركات تجديد؟ وجوابًا على هذا أقول أنه من الصحيح أن هذه الحركات كانت فيها تجديدات جزئية بالنسبة للقديم الموجود حينذاك، إلا أن هذه الحركات إنما كان هدفها مخاطبة قطاع عريض من المسلمين وإحياء الثقة في نفس الجماهير بالإسلام، ولم تتجه إلى قطاع متعمقٍ رأسيٍ في الفكر نفسه من حيث تجديد وتغيير أصوله وقواعده الرئيسة المنهجية ولا حتى المعطيات الناتجة عن تلك القواعد. بل على العكس اجتهدوا أن لا يصدموا واقع عصرهم في الجزئيات الفقهية والفكرية. ولذلك - ربما - حصلت قطيعة بين المفكرين والجماهيريين منذ ذلك الزمان، إضافة إلى عوامل أخرى مثل أن يكون بعض أهل الفكر متأثرين بالتأثير الغربي العلماني وقد رأوا في مثل هذه الحركات محافظةً أكثر من اللازم، أو أن يعود ذلك إلى نزعة بعض المفكرين إلى عدم احترام الجماهير، وهي نزعةٌ غير صحيةٍ إطلاقا ولكن من الواجب الاعتراف بأنها كانت موجودة نتيجة ظروف ثقافية وسياسية عديدة، وعلى رأسها الصفوية الثقافية التي حدثت نتيجة قدرة أقلية من أبناء الأمة على نفقات التعليم أو السفر للدراسة العالية وغير ذلك. وأذكر مثلا بالنسبة للإخوان المسلمين في مصر أنه كان يعاصرهم مفكرون كتبوا عن الإسلام مثل أحمد أمين وعبد الرزاق السنهوري، إلا أن العلاقة بين الطرفين كانت ميتة، بل ربما فيها قدر من عدم التقدير والاحترام.
والشاهد أن الانفصال قديم بين أهل الفكر والحركة، وهو لا يزال مستمرا فيما يبدو. لأن الذين يعنون بالتعمق والدراسة يرون في هذه الحركات سطحيةً أكثر من اللازم، ويرون أن الأمر يحتاج إلى تغيير جوهري في الفهم والفكر.. والذين يسيرون في طريق الحركة يرون في أولئك انفصالا عن الواقع وسكونًا وهدوءًا زائدين، ويرون في دعاوي أولئك أعذارًا للقعود وعدم مواجهة المتغيرات والمظالم والهموم. لاسيما أن كثيرا من الحركات ترى أن عندها اكتفاءً ذاتيا كاملا، وأن عندها من المثقفين الكثير فهي لا تريد أمثال أولئك وليست بحاجة إليهم.
وللأسف فإن اعتقادي أن هذه الحركات بقدر ما أفادت، بقدر ما بدّدت طاقاتٍ كبرى من الشباب المثقف في متاهات التحرك الجزئي الذي لا يأتي بشيء، سوى المراوحة في المكان والزيادة في الخسائر. وما يزيد في تعقيد الإشكالية موضوع التحرك ضد الحكومات وسياسات المجابهة وما أملته من اضطهادات واختفاءات واحتياطات بحيث أصبح الفكر الطليق الحر مستحيلا عليهم لأنهم باستمرار مُطارِدين أو مُطارَدين. فمن يقرأ ويكتب ويفكر لا يجد له مكانا مع هؤلاء، وهؤلاء لا يجدون وقتا حتى يراجعوا أنفسهم أو مناهجهم. فالشاهد أنه إلى الآن لم يحدث نوع من التلاقي أو الحوار الجدي بين الفكر والحركة. ورغم ذلك فإن من الممكن أن يبدأ مثل هذا التلاقي إذا وُجدت أرضية محايدة، ووُجد أناس عندهم القدرة على إنشاء مثل هذا الحوار ويتمتعون بثقة الطرفين..
وبشكل عام فأنا متشائمٌ بالنسبة للنتائج القريبة إلى أن تتاح الديمقراطية للبلاد العربية وللإسلاميين عموما، لأن كثيرا من الحركيين التقليديين -ولو كانوا مومياءاتٍ محنطة- فإنهم مفروضون على الواقع العربي والإسلامي، فلا بد من التعامل معهم بقدر حتى تأتي الديمقراطية وتنفتح الأبواب. وعندها ربما تحدث فوضى فكرية، لكن ما يأتي بعد ذلك سيكون تجديدا واستقرارا على ما هو أفضل من وضعنا الحالي. وكلامي هذا له علاقة بالحركات التقليدية، أما التحرك الجديد في العالم الإسلامي فإنه سيكون قطعا ملتحمًا بالفكر، وسينبُتُ نتيجة فكر، شأن كل الحركات في التاريخ والعالم. فامتداد الإسلام جاء بعد القرآن، والثورة الفرنسية حدثت بتأثير المفكرين، والثورة الروسية حدثت بعدما ظل لينين يتسكع في المنفى من مكان إلى مكان ليصدر جريدته (اكسترا).. وهكذا شأن كل حركة في الدنيا تأتي بعد فكر، ولكن هذا يحدث حين تتاح الحرية والديمقراطية. ولذلك فإنني أرى شخصيا أن الديمقراطية يجب أن تكون مطلبا أساسيا للإسلاميين، لأنه لا تغيير في الواقع الراكد الموجود حاليا في البلاد العربية والإسلامية من ناحية الفكر الإسلامي إلا بتغيير ديمقراطي يوفر الحرية الحقيقية لكل الناس.
- الرشاد: استطرادا لسؤالنا السابق: يكثر الجدل بين المثقفين العرب والمسلمين اليوم حول مصدر المسؤولية عن المأزق الراهن الذي يمسك بخناق المنطقة على جميع المستويات. فالبعض يتهم السقف الثقافي والفكري، والآخرون يشيرون بأصابع الاتهام إلى (الحالة) السياسية السائدة. والسؤال هنا: أيهما يسبق الآخر في مثل هذا العصر الذي تعملقت فيه الثقافة وتغولت الدولة: هل تسبق الخلفية الثقافية الواقع السياسي، بحيث تؤثر فيه وتصيغه، أم أنها تبعٌ له؟ وما هي طبيعة العلاقة الجدلية بين الأمرين؟ وأتجرأ فأسأل سؤالا أعلم أنه بحجم التجربة البشرية: ما المخرج من مأزق تلك الجدلية؟
- الدكتور فتحي: الهدي المأخوذ من كل التجارب البشرية أن الفكر يسبق الحركة، وأن الفكر يعلو ويتجاوز الواقع السياسي. قد لا تبدأ ملحمة التغيير إلا بعد أن يتجذّر الفكر وتكون له قاعدة عريضة، ولكن حتى يتجذر وتكون له هوية خاصة تجعله يتلمس طريقه ويسير على هدىً لابد من وجود الفكر أولا. لقد خلق الله الإنسان وميّزه بعقله، والعقل لابد أن يسبق أي تحرك، فالتحرك العشوائي لن يوصل إلى نتيجة على الإطلاق.
وبمناسبة الحديث عن (طغيان) الحالة السياسية عندنا، أحب أن أذكر هنا أن من الإشكاليات الكبرى عند كثير من الإسلاميين أنفسهم أن بنيتهم الداخلية غير ديمقراطية أيضا وتتميز غالبا بالطغيان. إن مشكلة الحركات الإسلامية في رأيي ليست فقط في وجود جهاز سري أو غير ذلك، وإنما في عدم احترام الرأي الآخر في داخل الحركة نفسها فضلا عن الآخر في خارج الحركة. وأنا أعتقد أن مثل هذه الحركات هي امتدادٌ لما يسمى بالصوفية العسكرية في تاريخنا. فالتصوف يجمع الناس على طاعة الشيخ، والعسكرية تجمعهم على الطاعة للقائد. وعندما وُجدت حركات تأثرت بالتاريخ الصوفي وبالدورات العسكرية، جمع القائد الطاعة من الاتجاهين، وأعتقد أن المرحوم حسن البنا قالها صراحة في القواعد العشرة في رسالة التعاليم، أن العلاقة هي علاقة الجندي بالقائد والمريد بالشيخ والتلميذ بالمعلم.. وأنا أتكلم هنا عن التجربة المصرية ولا أحكم على التجارب الأخرى..
ومادامت المسألة مسألة أمرٍ وطاعة فيستوي أمر الديكتاتور وأمر قائد الحركة. ومن هنا لم يكن الخلاف بين الإخوان وعبد الناصر في مصر - في رأيي - بسبب ديكتاتورية عبد الناصر وظلمه وعسفه، بقدر ما كان بسبب بعده عن الإسلام، ولو كان عبد الناصر قريبا من الإسلام في صورة من الصور، لكان هذا كافيا لتجنب الصدام ولو كان ذلك القرب من الإسلام بالطريقة بنفس، أي عن طريق العنف والكبت والقهر بداعي المصلحة العامة. وقد كانت هذه حجة أعداء الهضيبي أصلا، ممن كان يقول أنه يعرف عبد الناصر وخلفيته وحقيقة أهدافه، وأن كل ما كان يفعله هو مقدمات لتطبيق الإسلام.
- الرشاد: إذا أخذنا مثالًا واحدًا محددا على بعض المعاني الواردة في الكلام السابق: اطلعت منذ فترة على العدد الأخير من تقرير (الأمة في عام) الذي تشرف على تحريره نخبة متميزة من مثقفي الأمة، ورغم الجهد المشكور خرجت بملاحظتين ربما تحتاجان إلى حوار وتفكير. الأولى هي تناقص (جرعة) (نقد الذات) والتحليل للإشكاليات الداخلية على المستويات الفكرية والاجتماعية والتربوية، وزيادة (جرعة) الاتهامية (للآخر) على جميع المستويات، فضلا عن الشكوى من مؤامراته وخططه وأعماله، وكأننا نتوقع من ذلك الآخر غير ذلك. والثاني هو الافتقار إلى العمق البحثي المباشر في معظم الأوراق، والاكتفاء ببعض الإحصاءات والأرقام المعلنة والمنشورة في بعض الدراسات أو الدوريات. ما هي برأيكم دلالات مثل هذه الظواهر وأسبابها إن صح التحليل السابق؟ وهل بلغ ضغط (الحالة) السياسية حدًا ليس أمام المثقفين إزاءه خيار آخر كما يقول البعض؟
- الدكتور فتحي: أنا أتفق مع ملاحظاتك بشكل كامل، وأعتقد أنه يوجد هناك استثناء واحد فيما يخص عملية نقد الذات، وهو ما قامت به الحركة التونسية منذ سنوات، ورغم ذلك، ورغم كل ما أُكنّه من تقديرٍ للأخ راشد، فإنني أخشى من عنف المواجهة في ذلك البلد أن يجرف البعض إلى ما يسمى بنتائج سيكولوجية المواجهة. وكذلك فإن الصلة القديمة مع الحركة السودانية ربما تطرح بعض المبررات للتغاضي عن خرق بعض حقوق الإنسان في سبيل العقبات التي يواجهونها، وكذلك بالنسبة للموقف من مهاجمة العراق للكويت حيث كان الحديث عن عودة الصليبيين وما إليه.. فكأن المشكلة عامة. ولعل هذا الأمر يُمثّلُ مشكلةً في بنيتنا الثقافية قادةً وجماهير، تتمثل في الدور الخطير الذي يلعبه العنصر العاطفي في حكمنا على الأمور وتعاملنا مع الشعارات. ففي مثل مسألة الوجود العالمي في الكويت، ليس عندي مانع من احتمال أن يكون هؤلاء مثل الصليبيين أو أسوأ منهم، ولكن على أن يكون ذلك التفكير ناتجا عن دراسة وبحث وتعمق، وليس فقط عن عاطفة وحماس.
والمشكلة أن النقد الذاتي غير موجود عندنا كأمة وليس فقط كحركات. ففي تاريخنا مثلا يتعجب المرء كيف نُقوِّم تجاربنا وتطورنا السياسي. والغريب أنه حتى لو كان الشخص الذي يقوم بهذا العمل متخصصا في علوم كالاجتماع أو الاقتصاد أو السياسة، فإنه عندما يصل إلى هذا الأمر -أي معالجة تاريخنا- يصبح وكأنه (ركبُه عفريت) كما يقولون في العامية الدارجة، ويتحول إلى شخص آخر ليعالج الموضوع بالطريقة التقليدية نفسها، والتي تنقسم بين الذم أو المدح أو السكوت.. ولا تجد دراسات تبحث كيف كانت النقلة لأول مرة في تاريخ الجزيرة العربية للتحول من دولة المدينة (city-state) إلى الدولة القطرية (country-state) ثم إلى الدولة العالمية (universal-state) وكيف قامت حركة الموالي أو العصبة العربية في وسط الأمويين لإنقاذ نظام الحكم لأنه إذا لم يكن هناك عترة أو عصبية كما قال ابن خلدون فإن الدولة تكون عرضة للانهيار. ولا تجد دراسات عن ظاهرة الردة من ناحية أسبابها الاجتماعية والاقتصادية ثم من ناحية آثارها ونتائجها على المستوى البعيد.
وحيث أن البدء ببحث الأشياء العامة يُقلّلُ - عادةً - الحساسيات، فربما كان من المناسب أن تبدأ عملية النقد الذاتي من تاريخنا، لنخرج من الثنائيات التي ترى تاريخنا من طرفٍ على أنه تاريخ الهمجية والتأخر، ومن طرف آخر على أنه تاريخ الفخر والعظمة الكامل.. وللأسف فإنه لم يوجد لدينا غير ابن خلدون الذي قال أن تاريخنا إن هو إلا تجربة إنسانية، وأن ما جرى فيها حوادث بشرية تُبحث بمقاييس بشرية، كما قال قولته الفذة التي لم تترك - للأسف - أثرا في الفكر الإسلامي (ولا يتعارض الأمر الشرعي مع الأمر الوجودي) وأن السنة الكونية لا تتعارض مع تعاليم الشريعة.
والمشكلة أن البعض يرتاح إلى اتهام الغير ليضع عليهم عبء كل مشكلاتنا التاريخية والمعاصرة، فحتى حركة الاستكشافات الجغرافية كانت عند البعض لتطويق المسلمين وأخذ طرق التجارة منهم. ومادمنا نُطارَدُ من أيام (فاسكو دي غاما) إلى اليوم حيث يقدم لنا (هنتينجتون) نظرية صراع الحضارات فإن كل المشكلة هي في الآخَر وليست فينا عند كثير من الناس..
لقد ذهبت صيحة ابن خلدون ومن بعده صيحة مالك بن نبي الذي تحدث عن القابلية للاستعمار، وأصبح معظم جهدنا ينصبُّ على إيجاد الأعذار والتبريرات لتقصيرنا ولتخلفنا المريع في جميع المجالات. وقد انفجرتُ في وجه أحد قادة الحركات عندما أعاد الحديث في أحد المؤتمرات عما فعله عبد الناصر من تعذيب وغير ذلك، مما اتفق عليه الأصدقاء والأعداء، وطالبتُ بأن ننتقل خطوة إلى الأمام.. ويبدو أن عنصر النقد الذاتي مفقودٌ ابتداء في تربيتنا حتى في الأسر مع الأب والأم، ثم إلى دوائر المجتمع الأخرى ومنها الحركات الإسلامية التي أصبح لديها (بارانويا) وجزع عميق من كل نقد أو نصيحة. فأصبحت تقابلُ مثل هذه الأمور برد فعل عنيف غالبا ما يكون أكبر من حجم المعارضة وأكبر من حجم الاختلاف..
إزاء كل هذا لابد من بدء عملية النقد الذاتي التي تنبثق من الثقة بالنفس، وتكون عبر الحكمة والموعظة الحسنة، وتتصف بالموضوعية والدراسة المبنية على الفكر والبحث، لكي تتوفر شروط الصحة النفسية والفكرية داخل أجوائنا بشكل عام، لأن هذا هو طريق تغيير الواقع، وبدونه ليس لدينا كبير أمل في حدوث تقدم في أي مجال من المجالات.
- الرشاد: سننتقل بعد قليل من هموم شرق العالم إلى هموم غربه، ولكن كسؤال انتقالي: مع ثورة الاتصالات العالمية الراهنة، ومع تزايد الهجرات البشرية في جميع الاتجاهات، ومع ترسخ فكرة "القرية العالمية" التي تعيش فيها البشرية اليوم، يتساءل الكثيرون عن مصدر وجِهةِ "التغيير"، المرتقب عند البعض، والمحتمل عند البعض الآخر، والذي يمكن أن يكون عنوانه الأساسي "الإسلام". هل يأتي من "الشرق" أم من "الغرب". لقد قال الأستاذ الغنوشي - مازحًا - في أحد اللقاءات: وما يدريكم، لعل الشمس تشرق من المغرب.. برأيكم: هل لمثل هذا التحديد والتقسيم بقيةٌ من جدية في عالم اليوم؟ واستطرادًا: ما رؤيتكم لطبيعة الأدوار والوظائف التي يمكن أن يقوم بها (المهتمون) في كل من الشرق والغرب على طريق ذلك التغيير؟
- الدكتور فتحي: من المؤكد أنه بدون استعداد الناس للتغيير في بلادنا فإن تغييرًا لا يمكن أن يحدث. ورغم ذلك فإن التفكير الذي لا يأخذ في حسابه السياسات العالمية هو تفكيٌر قاصر بكل قياس. والمشكلة أن إثارة موضوع القوى الغربية وطبيعة الوضع العالمي يمكن أن يجعلك أمام أحد اتهامين: فإما أنك غربي الهوى والقناعة، أو أنك أصبحت غير مؤمن وأصبحت تعتقد أن هؤلاء أصبحوا الآلهة الجدد الذين يحكمون الكون.. وقد طرح لي أحد الإيرانيين مرة تصورًا تكتسحُ فيه الثورة الإسلامية المنطقة العربية، وعندما خرجَتْ من فمي كلمة أن الجغرافيا-السياسية (الجيوبوليتكس) للعالم كله لا يمكن أن تسمح بهذا، قال لي: وهل الجيوبوليتكس إلهٌ جديد، ولولا أنني أعرف أنك مؤمن بالله.. وتحولت المسألة إلى كوني مؤمن أم كافر..
فالبعد العالمي له تأثيره الخطير، ولو أحسن المسلمون في الولايات المتحدة مثلا القيام بدورهم واتصلوا بالحركات الفكرية وراء صانعي القرار السياسي الذين تشغلهم مصالح ومراكز قوى كثيرة ومتداخلة، ليبلوروا تفكيرًا إسلاميًا بديلا، ويقنعوهم أن هناك مجموعات إسلامية تمتلك تفكيرا مخالفا للتفكير الذي يُعتقد أنه السائد فضلا عن إساءة فهمه، فربما يكون هذا أحد وسائل التغيير وإفساح المجال لمثل تلك الحركات للعمل بحرية في السياسة والاقتصاد وغير ذلك..
قد يقول قائل أن الغرب يفضل وجود حركات لها تفكير معين وطريقة معينة في العمل لتبرير ضرب المسلمين باستمرار، وأوافق على هذا بالنسبة لصاحب القرار السياسي المصلحي على المدى القصير. ولذلك فإن المطلوب هو محاورة العقول التي تقبع وراء صناعة القرار السياسي المباشر. ولكن المشكلة في هذا المجال أن مثل هذا الخطاب يجب أن يعتمد على مؤسسات وينطلق منها، ولا يكون منطلقًا من أفراد ومعتمدًا عليهم، فالفرد في هذه المنظومة الحضارية يجب أن يمثل شريحةً ما أو قاعدة معينة من البشر حتى يستطيع البدء بأي حوار على هذه المستويات. ولذلك فلا بد من قاعدة مؤسسية لمثل هذا العمل لأن الناس والهيئات تحترم المؤسسات. وعندما توجد مثل هذه القاعدة المؤسسية فإن الكثيرين سيلتفون حولها مع الأيام ممن يقضون أوقاتهم -بغير قناعة- في نشاطات أخرى أقل فعالية لأنهم أفراد ويحتاجون لمجموعة بشرية يلتفون حولها حفاظا على الدين والهوية..
ومن ميزات الولايات المتحدة أن الوجود الإسلامي فيها يغلب عليه أن يكون من أهل الطبقات المتوسطة التي تمتلك نصيبًا لا بأس به من الإمكانيات المادية وحتى الثقافية، الأمر الذي يمكن أن يفرز طاقات وإمكانات إضافية، بعكس الوجود الإسلامي في أوربا. وكذلك فإن من الممكن - مع الحرية المتوافرة - أن تكون هذه البلاد محضنًا لنوع من التفكير يجمع بين أهل الفكر وأهل الحركة، ويفسح المجال لعملية النقد المألوفة هنا على صعيد الممارسة العامة. إضافة إلى أن البعد عن جو الضغط والصراع قد يفسح مجالًا لهدوء الأعصاب وإمكانية الرؤية المحايدة العملية للنفس وللآخر، بحيث ينتج عن هذا كله حوار صحي وعلمي يمكن أن يكون مقدمة حقيقية للتغيير في الواقع العربي والإسلامي بشكل عام.
* حوار سبق أن أجرته مجلة «الرشاد» مع الدكتور محمد فتحي عثمان قبيل وفاته (رحمه الله). نخص قراءنا بإعادة نشر هذا الحوار إلكترونيًا بعد غيابه عن الشبكة إثر تحديث موقع المجلة.
تناول حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر بتاريخ 6 يناير 1996 مسألة قانونية وشرعية شائكة ترتبط بالآثار المترتبة على الانفصال بين الزوجين، وتحديدًا ما يتعلق بمدى التزام الزوج المطلق بتهيئة مسكن مستقل لمطلقته ولحاضنة صغاره. وقد عرضت الدعوى للطعن بعدم دستورية المادة (18 مكررًا ثالثًا) من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 (المضافة بالقانون رقم 100 لسنة 1985)، مستندة إلى إخلال النص التشريعي بمبادئ الشريعة الإسلامية وحق الملكية والحق في القوامة، فضلاً عن إرهاق المطلق في ظل أزمات الإسكان المتفاقمة. وقد استندت المحكمة في قضائها إلى تأصيل فلسفة الشريعة الإسلامية ومقاصدها العامة في شأن النفقة وسكنى الصغار، مؤكدة على سعة باب الاجتهاد بما يحقق مصالح العباد ويدفع عنهم الضرر والإرهاق. وانتهت المحكمة إلى تقييد إطلاق النص التشريعي؛ فقضت بعدم دستوريته فيما تضمنه من إلزام الزوج بتهيئة المسكن حتى مع وجود مال حاضر للصغار أو مسكن ملائم للحاضنة تقيم فيه، وكذا فيما فرضه من قيد زمني تحكمي يوجب تهيئة المسكن البديل خلال فترة العدة فقط إذا كان مسكن الزوجية مؤجرًا؛ مرسيةً بذلك توازنًا دقيقًا بين حق الصغار وحاضنتهم في السكنى الكافية وحق المطلق في عدم التكليف بما يجاوز نطاق الضرورة والعدل.
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة في يوم السبت الموافق 6 يناير سنة 1996م الموافق 15 شعبان سنة 1416هـ.
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين: الدكتور/ محمد إبراهيم أبو العينين وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير والدكتور/ عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين ومحمد عبد القادر عبد الله
وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما المفوض
وحضور السيد/ حمدي أنور صابر أمين السر
أصدرت الحكم الآتي
في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 5 لسنة 8 قضائية دستورية*
المقامة من
السيد /.....................
ضد
1 - السيد / رئيس الوزراء
- السيد / رئيس مجلس الشعب
3 - السيدة /.....................
الإجراءات
بتاريخ الثامن من مارس سنة 1986 أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالبًا الحكم بعدم دستورية المادة (18) مكررًا ثالثًا من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية، المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية.
قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة دفعت فيها، أصليًا: بعدم قبول الدعوى، كما طلبت احتياطيًا: رفضها.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق والمداولة.
حيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل في أن المدعى عليها الثالثة، كانت قد أقامت الدعوى رقم 57 لسنة 1985 مدنى كلى مساكن الإسكندرية ضد المدعى، بطلب تمكينها وابنته منها - المحضونة لها -............ من مسكن الزوجية المبين بالأوراق. وبجلسة 15/10/1985 - المحددة لنظر تلك الدعوى - دفع المدعى بعدم دستورية المادة (18) مكررًا ثالثًا من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 ببعض أحكام الأحوال الشخصية المضافة بالقانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية. وبجلسة 10/12/1985 صرحت محكمة الموضوع للمدعى - بعد تقديرها لجدية دفعه - بإقامة الدعوى الدستورية، فرفعها.
وحيث إن المدعى ينعى على المادة (18) مكررًا ثالثًا من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985 - المشار إليهما - مخالفتها للمادتين (2، 34) من الدستور، تأسيسًا على أن الإسلام - وفقًا لنص المادة الثانية من الدستور - هو دين الدولة، وأن الشريعة الإسلامية - في مبادئها - هى المصدر الرئيسي للتشريع، وأن الطلاق - وهو مقرر للزوج بنص شرعي - لا يجوز تقييده بما يمس أصل الحق فيه، ذلك أن الحق في الطلاق مكفول لكل زوج حملًا على أحوال المسلمين بافتراض صلاحهم وتقواهم. وهم لا يمارسون هذا الحق انحرافًا، أو التواءً، أو إضرارًا.
بيد أن النص المطعون فيه، صاغ القواعد التي قررها، ممالأة منه لفئة لا تعنيها إلا مصالحها الضيقة التي لا يحميها الشرع، مُحَمَّلًا من يباشرون ذلك الحق - وبقصد تقييده - بأعباء مالية ونفسية تدفعهم إلى العدول عنه، ولو قام موجبه، حال أن الطلاق أمر عارض على الحياة الزوجية، ولا يلجأ الزوج إليه إلا إذا صار استمرارها والتوفيق بين الزوجين - رأبا لصدعها - مستحيلًا أو متعذرًا، بما مؤداه: أن النص المطعون فيه لا يبلور إلا تيارًا دخيلًا يتوخى هدم الحقوق لا إعمالها، توهمًا لخصومة بين طرفين، وإهدارًا لقوامة الرجل على المرأة ؛ وإنفاذًا لمساواة مغلوطة بينهما؛ وانحيازًا لقيم مستوردة بتغليبها على حقائق الدين، وتهوينًا لاستقرار الأسر داخل مجتمعها بقصد إضعافها، وتعقيدًا لأزمة طاحنة في الإسكان، بدلًا من الحد منها تخفيفًا لوطأتها، بعد أن أستعر لهيبها، ونشأ عنها نوع من الجرائم لم يكن مألوفًا من قبل، وليس إلزام المطلق بأن يوفر لصغاره من مطلقته سكنًا مناسبًا، إلا تكليفًا بمستحيل في ظل أزمة الإسكان هذه، التي تحول بضغوطها - التي عَمَّقها النص المطعون فيه - دون مباشرة الرجل للحق في الطلاق ليغدو وهمًا. يؤيد ذلك أن حمل المطلق على التخلي عن مسكن الزوجية، بعد أن أعده مستنفدًا كل ما ادخره؛ ناهيك عن الديون التي لا زال يرزح تحتها، يعنى أن يصبح هائمًا شريدًا. وكان من المفترض - وقد التزم شرعًا بالإنفاق على صغاره - أن تكون نفقتهم مبلغًا من المال. غير أن النص المطعون فيه، استعاض عن تمليكها بالتمكين منها، مخالفًا بذلك ما كان عليه العمل من قبل، متجاهلًا حدة أزمة الإسكان، وهو ما قام الدليل عليه من قصره مجال تطبيق الأحكام التي أقرها، على حل رابطة الزوجية بالطلاق دون غيره من فرق النكاح، فكان عقابًا باهظًا واقعًا على المطلق، محملًا إياه بأعباء ينو بها، متمحضًا إضرارًا منهيًا عنه شرعًا، لقوله تعالى لا تضار والدة بولدها، ولا مولود له بولده، وهو ما يعنى أن الولد لا يجوز أن يكون سببًا لإلحاق الضرر بأبيه، وقد كان هو سببًا لوجوده، ليكون استقلال الصغار من دون أبيهم بمسكن الزوجية، إثمًا وبغيًا.
وفضلًا عما تقدم، فقد أخل النص المطعون فيه بحرمة الملكية، ذلك أن صغار المطلق يستقلون من دون أبيهم بسكناه؛ ولو كانت عينًا يملكها، ليحرم من الانتفاع بها، وإلى أن يوفر لصغاره وحاضنتهم مسكنًا بديلًا عنها، في الآجال التي ضربها المشرع
وحيث إن المادة (18) مكررًا ثالثًا - المطعون عليها - تنص على ما يأتي: على الزوج المطلق أن يهيئ لصغاره من مطلقته ولحاضنتهم المسكن المستقل المناسب، فإذا لم يفعل خلال فترة العدة، استمروا في شغل مسكن الزوجية دون المطلق مدة الحضانة. وإذا كان مسكن الزوجية غير مؤجر، كان من حق الزوج المطلق، أن يستقل به إذا هيأ لهم المسكن المستقل المناسب بعد انقضاء مدة العدة. ويخير القاضي الحاضنة بين الاستقلال بمسكن الزوجية، وبين أن يقرر لها أجر مسكن مناسب للمحضونين، ولها. فإذا انتهت مدة الحضانة، فللمطلق أن يعود للمسكن مع أولاده؛ إذا كان من حقه الاحتفاظ به قانونًا. وللنيابة أن تصدر قرارًا فيما يثور من منازعات بشأن حيازة مسكن الزوجية المشار إليه، حتى تفصل المحكمة فيها. وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة - وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية - مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم الصادر في المسائل الدستورية لازمًا للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها، والمطروحة على محكمة الموضوع.
متى كان ذلك؛ وكانت الفقرتان الأولى والثانية من هذا النص، تكفلان لصغار المطلق وحاضنتهم، الاستقلال بمسكن الزوجية في الآجال والأحوال المبينة بهما؛ وكانت فقرتها الثالثة تقرر التزامًا تخييريًا يكون فيه المحل متعددًا، ومن ثم تتضامن هذه المحال فيما بينها، لتبرأ ذمة المدين بالوفاء بأيها - بافتراض استيفاء كل منها للشروط التي تطلبها القانون فيه - سواء أكان الخيار للمدين - وهذا هو الأصل عملًا بنص المادة (275) من القانون المدني - أم كان الخيار للدائن بناء على اتفاق فيما بين العاقدين، أو إنفاذًا لنص في القانون، مثلما هو مقرر بالفقرة الثالثة من النص المطعون فيه، التي تخول الحاضنة - وبافتراض نيابتها عن المحضونين - الخيار بين الاستقلال بمسكن الزوجية، وبين أن يقدر القاضي أجر مسكن مناسب للمحضونين ولها، وهو ما يفيد إمكان رفضها الحصول على هذا الأجر، وطلبها مسكن الزوجية، لتقوم المصلحة الشخصية المباشرة للمدعى في الطعن على المادة (18) مكررًا ثالثًا - المشار إليها - بفقراتها الثلاث دون غيرها. ذلك أن فقرتها الرابعة، تخول المطلق أن يعود بعد انتهاء حضانة صغاره إلى مسكن الزوجية إذا كان من حقه ابتداء الاحتفاظ به قانونًا، وهو ما يتمحض لمصلحته. كذلك فإن فقرتها الأخيرة لا تفصل في موضوع الحقوق المدعى بها، ولكن في منازعات الحيازة التي يكون مسكن الزوجية مدارها، ليكون قرار النيابة في شأنها وقتيًا، فاصلًا فيما يستبين لها من أوضاع الحيازة على ضوء ظاهر الأمر فيها، وهو ما تراجعها فيه المحكمة ذات الاختصاص للفصل في ثبوت الحيازة لأحد الطرفين المتنازعين، دون إخلال بأصل الحق المردد بينهما.
وحيث إن البين من مضبطة الجلسة الثامنة والتسعين لمجلس الشعب، المعقودة في أول يوليو سنة 1985، أن آراء عديدة أبداها رئيس المجلس وأعضاؤه في شأن نص المادة (18) مكررًا ثالثًا، سواء بتأييد مشروعها، أو الاعتراض على بعض جوانبه لتقييده. وقد رفض المجلس بوجه خاص اقتراحين قدما إليه، أولهما: ألا يستقل صغار المطلق وحاضنتهم بمسكن الزوجية من دونه إذا كان لها مسكن تقيم فيه، أو كان للصغار مال يكفيهم للإنفاق منه لتدبير مسكن يضمهم مع حاضنتهم. وثانيهما: أن يختص كل من المطلق وصغاره بجزء مستقل من مسكن الزوجية، توفيقًا بين مصالحهم، ودفعًا لتعارضها.
وجاء بالمذكرة الإيضاحية للنص المطعون فيه، أن وقوع الطلاق يثير فيما بين الزوجين نزاعًا حول مسكن الزوجية، وهل يخلص لصغار المطلق وحاضنتهم، أم لأبيهم من دونهم باعتباره المتعاقد عليه، وأن ما قرره بعض الفقهاء من أن على أبيهم سكناهم جميعًا إذا لم يكن لمن لها إمساكهم، مسكن، يعنى أن لحاضنتهم أن تستقل معهم -بعد الطلاق- بمسكن الزوجية المؤجر لأبيهم المطلق، إلا إذا هيأ لهم مسكنًا مناسبًا يقيمون فيه، ليعود إلى المطلق بعد انتهاء حضانتها، أو بعد زواجها؛ إذا كان من حقه ابتداء الاحتفاظ به قانونًا.
وحيث إن الرقابة على الشرعية الدستورية - وعلى ما جرى به قضاء المحكمة الدستورية العليا - تتناول - بين ما تشتمل عليه- الحقوق التي كفلها الدستور، وأهدرها النص المطعون فيه ضمنا؛ سواء كان الإخلال بها مقصودًا ابتداءً، أم كان قد وقع عرضًا.
وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا مطرد كذلك، على أن ما نص عليه الدستور في مادته الثانية - بعد تعديلها في سنة 1980 - من أن مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسي للتشريع، إنما يتمحض عن قيد يجب على السلطة التشريعية أن تتحراه وتنزل عليه في تشريعاتها الصادرة بعد هذا التعديل - ومن بينها أحكام القانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية - فلا يجوز لنص تشريعي أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هى التي يكون الاجتهاد فيها ممتنعًا، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادؤها الكلية، وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلًا أو تبديلًا.
ومن غير المتصور بالتالي أن يتغير مفهومها تبعًا لتغير الزمان والمكان؛ إذ هى عصية على التعديل، ولا يجوز الخروج عليها، أو الالتواء بها عن معناها. وتنصب ولاية المحكمة الدستورية العليا في شأنها، على مراقبة التقيد بها، وتغليبها على كل قاعدة قانونية تعارضها. ذلك أن المادة الثانية من الدستور، تقدم على هذه القواعد، أحكام الشريعة الإسلامية في أصولها ومبادئها الكلية؛ إذ هى إطارها العام، وركائزها الأصيلة التي تفرض متطلباتها دومًا بما يحول دون إقرار أية قاعدة قانونية على خلافها؛ وإلا اعتبر ذلك تشهيًا وإنكارًا لما علم من الدين بالضرورة. ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو بهما معًا، ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها، ولا تمتد لسواها. وهى بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان، لضمان مرونتها وحيوتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها، تنظيمًا لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعًا، ولا يعطل بالتالي حركتهم في الحياة، على أن يكون الاجتهاد دومًا واقعًا في إطار الأصول الكلية للشريعة بما لا يجاوزها، ملتزمًا ضوابطها الثابتة، متحريًا مناهج الاستدلال على الأحكام العملية، والقواعد الضابطة لفروعها، كافلًا صون المقاصد العامة للشريعة بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال.
وحيث إن البين من استقراء الأحكام التي بسطها الفقهاء في شأن النفقة - سواء كان سببها عائدًا إلى علائق الزوجية، أم إلى القرابة في ذاتها - وأيًا كان نوعها - بما في ذلك ما يقوم من صورها بين الأصول والفروع، أنهم اختلفوا فيما بينهم في عديد من مواضعها، إما لخفاء النصوص المتعلقة بها من جهة اتساعها وتعدد تأويلاتها؛ وإما لتباين طرائقهم في استنباط الأحكام العملية - في المسائل الفرعية والجزئية التي يدور الاجتهاد حولها - من النصوص وأدلتها، والترجيح بينها عند تعارضها، اختيارًا لأصحها وأقواها وأولاها، وهو ما يفيد أن النفقة بمختلف صورها؛ وفى مجمل أحكامها - وفيما خلا مبادئها الكلية - لا ينتظمها نص قطعي يكون فاصلًا في مسائلها.
وحيث إن النفقة شرعًا هى الإدرار على الشيء بما فيه بقاؤه، وهى في أصل اشتقاقها تعد هلاكًا لمال من جهة المنفق، ورواجًا لحال من جهة المنفق عليه. ويشمل مصطلحها كل صورها من إنفاق على إنسان أو حيوان أو طير أو زرع، لأن فيها معنى إخراج مال لإيفائهم حاجتهم، وصونها. ولا ينال من ذلك قول أهل اللغة أيضًا، بأنها ما ينفقه الإنسان على عياله ونحوهم، فإنه بيان لحقيقة مدلولها، وعلى تقدير أن مسكن الصغير من مشمولاتها.
وإذ كان الأصل أن يقوم الزوج بالإنفاق على زوجته ليوفر لها احتياجاتها؛ ويُعِينها على التفرغ لواجباتها جزاءً لاحتباسها لمصلحة تعود عليه؛ وكان من المقرر كذلك أن للزوجة أن تأخذ من مال زوجها - إذا منعها مُؤْنتها - ما يكفيها هى وأولادها منه معروفًا، وبغير إذنه؛ وكانت علاقة المرء بذوي قرباه - من غير أبنائه - تقوم على مجرد الصلة - ولو لم تكن صلة محرمية - إلا أن الولد ليس إلا زرع أبيه، بل هو من كسبه وجزؤه، وبعض منه، وإليه يكون منتسبًا، فلا يلحق بغيره. وهذه الجزئية أو البعضية، مرجعها إلى الولاد، وليس ثمة نفع يقابلها ليكون فيها معنى العوض، ومن ثم كان اختصاص الوالد بالإنفاق على صغاره أصلًا ثابتًا لا جدال فيه، بحسبان أن قرابتهم منه مفترض وصلها، محرم قطعها بالإجماع. ولأن نفقتهم من قبيل الصلة، بل هى من أبوابها، باعتبار أن الامتناع عنها مع القدرة على إيفائها - حال ضعفهم وعجزهم عن تحصيل حوائجهم - مفض إلى تفويتها، فكان الإنفاق عليهم واجبًا، فلا تسقط نفقتهم بفقر آبائهم ولا يتحللون منها. بل عليهم موالاة شئون أبنائهم، العاجزين عن القيام بما يكفل إحياءهم وصون أنفسهم، مما يهلكها أو يضيعها. وهم كذلك مسئولون عن تكميل نفقتهم؛ إذا كانوا يتكسبون، وما برحوا عاجزين عن إتمامها، فلا يمنعهم الآباء ما يستحقون، إعمالًا لقوله تعالى وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ولقوله عليه الصلاة والسلام كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول ذلك أن نفقتهم تقتضيها الضرورة، وبقدر ما يكون لازمًا منها لضمان كفايتهم على ضوء ما يليق بأمثالهم، فلا تكون إقتارًا، ولا سرفًا زائدًا عما اعتاده الناس، ولا تستطيل بالتالي إلى ما يجاوز احتياجاتهم عرفًا. بل إن من الفقهاء من استدل على وجوبها على الآباء، من أنهم كانوا في الجاهلية يقتلون أولادهم خوفًا من الإملاق، وما كانوا ليخافوه لولا أن نفقتهم عليهم، فنهاهم الله تعالى عن قتلهم. ومن ثم قيل بأمرين، أولهما: أن الإخلال بنفقتهم يكون مستوجبًا حبس من قصر في أدائها ممن التزم بها، باعتبار أن فواتها ضياع لنفس بشرية سواء في بدنها، أو عقلها، أو عرضها. ثانيهما: أنه إذا كان للصغار مال حاضر، فإن نفقتهم تكون في أموالهم ولا شأن لأبيهم بها، فإذا كان ما لديهم من مال لا يكفيها؛ أو لم يكن لديهم مال أصلًا، اختص أبو هم من دونهم بتكملتها، أو بإيفائها بتمامها، فلا يتحمل غيره بعبئها.
وحيث إن المدعى لا ينازع في أصل الحق في نفقة صغاره، ولا في شروط استحقاقها، ولا في أن نفقتهم غير مقدرة بنفسها، بل بكفايتها. وإنما تثور دعواه الدستورية حول مشروعية القيود التي فرضها النص المطعون فيه على كل مطلق، قولًا بأن هدفها الحد من الحق في الطلاق، وأن إعناتها يتمثل في إلزامهم إسكان صغارهم من مطلقاتهم، بدلًا عن أجرة المسكن التي كان العمل بها جاريا قبل نفاذ النص المطعون فيه، بما مؤداه: أن عينية نفقتهم لا مبلغها، هى مدار دعواه هذه، وأن الفصل في دستورية النص المطعون فيه يتحدد على ضوئها؛ ونطاق تطبيقها.
وحيث إن إنكار حق صغار المطلق في اقتضاء نفقتهم تمكينًا، مردود أولًا: بأن القاضي وإن كان يقدرها في ظل العمل بأحكام لائحة ترتيب المحاكم الشرعية والإجراءات المتعلقة بها الصادر بها المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1931 [المادتان (5، 6) منها ومذكرتهما الإيضاحية ] مبلغًا نقديًا يشمل عناصرها جميعًا - بما فيها السكنى، إلا أن من المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا، أن أية قاعدة قانونية - ولو كان العمل قد استقر عليها أمدًا - لا تحمل في ذاتها ما يعصمها عن العدول عنها؛ وإبدالها بقاعدة جديدة لا تصادم حكمًا شرعيًا قطعيًا - في وروده ودلالته - وتكون في مضمونها أرفق بالعباد، وأحفل بشئونهم، وأكفل لمصالحهم الحقيقية التي تشرع الأحكام لتحقيقها وبما يلائمها؛ فذلك وحده طريق الحق والعدل، وهو خير من فساد عريض.
ومن ثم ساغ الاجتهاد في المسائل الاختلافية التي لا يجوز أن تكون أحكامها جامدة بما ينقض كمال الشريعة ومرونتها.
وليس الاجتهاد إلا جهدًا عقليًا يتوخى استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، وهو بذلك لا يجوز أن يكون تقليدًا محضًا للأولين، أو افتراء على الله كذبًا بالتحليل أو التحريم في غير موضعيهما، أو عزوفًا عن النزول على أحوال الناس والصالح من أعرافهم. وإعمال حكم العقل فيما لا نص فيه، توصلًا لتقرير قواعد عملية يقتضيها عدل الله ورحمته بين عباده، مرده أن هذه القواعد تسعها الشريعة الإسلامية؛ إذ هى غير منغلقة على نفسها، ولا تضفى قدسية على أقوال أحد من الفقهاء في شأن من شئونها، ولا تحول دون مراجعتها، وتقييمها، وإبدالها بغيرها. فالآراء الاجتهادية ليس لها - في ذاتها - قوة ملزمة متعدية لغير القائلين بها. ولا يجوز بالتالي اعتبارها شرعا ثابتا متكررا لا يجوز أن ينقض، وإلا كان ذلك نهيًا عن التأمل والتبصر في دين الله تعالى، وإنكارًا لحقيقة أن الخطأ محتمل في كل اجتهاد. بل أن من الصحابة من تردد في الفتيا تهيبًا. ومن ثم صح القول بأن اجتهاد أحد من الفقهاء ليس أحق بالاتباع من اجتهاد غيره. وربما كان أضعف الآراء سندًا، أكثرها ملاءمة للأوضاع المتغيرة، ولو كان مخالفًا لأقوال استقر عليها العمل زمنًا. ولئن جاز القول بأن الاجتهاد في الأحكام الظنية، وربطها بمصالح الناس عن طريق الأدلة الشرعية -النقلية منها والعقلية - حق لأهل الاجتهاد، فأولى أن يكون هذا الحق ثابتًا لولى الأمر يستعين عليه - في كل مسألة بخصوصها وبما يناسبها - بأهل النظر في الشئون العامة، إخمادًا للثائرة وبما يرفع التنازع والتناحر ويبطل الخصومة، على أن يكون مفهومًا أن اجتهادات السابقين، لا يجوز أن تكون مصدرًا نهائيًا أو مرجعًا وحيدًا لاستمداد الأحكام العملية منها؛ بل يجوز لولى الأمر أن يشرع على خلافها، وأن ينظم شئون العباد في بيئة بذاتها تستقل بأوضاعها وظروفها الخاصة، بما يرد الأمر المتنازع عليه إلى الله ورسوله، مستلهمًا في ذلك حقيقة أن المصالح المعتبرة، هى التي تكون مناسبة لمقاصد الشريعة متلاقية معها، وهى بعد مصالح لا تتناهى جزئياتها، أو تنحصر تطبيقاتها، ولكنها تتحدد - مضمونًا ونطاقًا - على ضوء أوضاعها المتغيرة. وليس ذلك إلا إعمالًا للمرونة التي تسعها الشريعة الإسلامية في أحكامها الفرعية والعملية المستجيبة بطبيعتها للتطور، والتي ينافيها أن يتقيد ولى الأمر في شأنها بآراء بذاتها لا يريم عنها، أو أن يقعد باجتهاده بصددها، عند لحظة زمنية معينة، تكون المصالح المعتبرة شرعًا قد جاوزتها. وتلك هى الشريعة الإسلامية في أصولها ومنابتها، متطورة بالضرورة، نابذة الجمود لا يتقيد الاجتهاد فيها - وفيما لا نص عليه - بغير ضوابطها الكلية، وبما لا يعطل مقاصدها.
ومردود ثانيًا: بأن كلمة النفقة عند إطلاقها، تفيد انصرافها إلى مشتملاتها مما تقوم بها من طعام وكسوة وسكنى، أو هى - على حد قول الحنابلة - مؤنة الشخص خبزًا وأدمًا وكسوة وسكنًا وتوابعها، باعتبارها من الحوائج الأصيلة للمنفق عليه. والأصل فيها أن تكون عينًا، فلا يصار حق الصغار بشأنها إلى ما يقابلها نقدًا - باعتباره عوضها أو بدلها - إلا إذا كان استيفاء أصلها متعذرًا. وليس معروفًا أن يكون إنفاق الوالد على صغاره تمليكًا معلوم القدر والصفة، بل يتعين أن يكون تمكينا يُعينهم على أمر حوائجهم، ليوفيها دون زيادة أو نقصان. وهذا الأصل قائم على الأخص في مجال العلائق الزوجية لقوله عليه الصلاة والسلام أطعموهن مما تأكلون وأكسوهن مما تكتسون، وهو مقرر كذلك في الزكاة لوقوعها في عين أموالها لقوله عز وجل خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها.
واستصحابًا لهذا الأصل لا تخرج المطلقة من مسكنها طوال عدتها، سواء كان طلاقها من زوجها رجعيًا أم بائنًا؛ ذلك أن طلاقها رجعيًا، يعنى أن علاقة الزوجية لا تزال قائمة، وأن بقاءها في بيته قد يُغريه بإرجاعها إليه، استئنافًا لحياتهما، فإن كان طلاقها منه بائنًا، فإن مكثها في منزل الزوجية يكون استبراء لرحمها. لا استثناء من ذلك في الحالتين، إلا أن تأتى عملًا فاحشًا.
وقد أحال الله تعالى المؤمنين في كفاراتهم إلى عاداتهم قائلًا فإطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم.
متى كان ذلك، وكان الحق هو الحسن شرعًا، والباطل هو القبيح شرعًا، فإن تقرير حق الصغار في نفقتهم من خلال إبدال مبلغها بعينيتها، لا يكون التواء عن الشرع، ولا ضلا لًا يقابل الحق ويُضَاده.
ومردود ثالثًا: بأن الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، كثيرًا ما قرروا أحكامًا متوخين بها مطلق مصالح العباد جلبًا لنفعهم، أو دفعًا لضرهم، أو رفعًا للحرج عنهم، باعتبار أن مصالحهم هذه لا تنحصر جزئياتها، وأنها تتطور على ضوء أوضاع مجتمعاتهم. وليس ثمة دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها. وإذ لم يعد للنفوس - من ذاتها - زاجرًا يردعها عن إنكار حق الصغار في نفقاتهم أو المطل في أدائها - فيما إذا كان قدرها محددًا مبلغًا من النقود - مما قد يحمل حاضنتهم على التردد بهم على ذويها يقبلونهم على مضض، أو يصدونهم، يضيقون بهم ذرعًا، أو يعرضون عنهم، بما يهدد حياتهم وعقولهم وأعراضهم، فقد بات حقًا وواجبًا، أن يتدخل المشرع لرد ما قدره ظلمًا بينًا، وأن يعيد تنظيم الحقوق بين أطرافها مبينًا طرق اقتضائها، مستلهمًا أن الأصل في الضرر أن يزال فلا يتفاقم، وأن الضرر لا يكون قديما، فلا يتقادم، وأن القرابة القريبة ينبغي وصلها، والقبول بأهون الشرين في مجالها توقيًا لأعظمهما.
ومن ثم قدر المشرع -بالنص المطعون فيه- أن ينقل حق هؤلاء الصغار من نفقة يفرضها القاضي مبلغًا من النقود، إلى عين محقق وجودها، هى تلك التي كانوا يشغلونها مع أبو يهم قبل طلاق أم هم، ليظل حقهم متصلًا بها لا يفارقونها، إلا إذا بوأهم أبو هم مسكنًا مناسبًا بديلًا عنها. ولا منافاة في ذلك للشريعة الإسلامية سواء في مبادئها الكلية أو مقاصدها النهائية، بل هو أكفل لدعم التراحم والتواصل بين أفراد الأسرة الواحدة، بما يرعى جوهر علاقتهم بعضهم ببعض، فلا يقوض بنيانها.
ومردود رابعًا: بأن ما قرره المدعى من أن المطلق يتعذر عليه أن يوفر سكنًا لصغاره وحاضنتهم إزاء حدة أزمة الإسكان، وعمق تداعياتها، يعنى أن تقدير نفقتهم مبلغًا من النقود مشتملًا على سكناهم، لن يكون كافيًا لتهيئتها؛ إذ لو كان بوسعهم استيفاء حقهم من السكنى من خلال أجر مسكن يحصلون عليه من أبيهم، لكان الاعتراض على عينية نفقتهم لغوًا.
وحيث إن عينية النفقة على ما تقدم، لا تفيد لزومًا انتفاء القيود اللازمة لضبطها، ولا تحول بالتالي دون مباشرة المحكمة الدستورية العليا لرقابتها القضائية في شأن مضمون الحقوق التي خولها النص المطعون فيه لصغار المطلق وحاضنتهم، للفصل في اتفاقها مع الدستور، أو خروجها عليه.
وحيث إن الفقرتين الأولى والثانية من النص المطعون فيه، صريحتان في استقلال الصغار مع حاضنتهم بمسكن الزوجية، فيما إذا تقاعس المطلق عن أن يعد لهم مسكنًا ملائمًا يضمهم جميعًا.
بيد أن ربط هاتين الفقرتين ببعضهما، يدل على تبنيهما تمييزا تحكميًا بين فئتين من المطلقين ذلك أنه بينما تلتزم إحداهما - إذا كان مسكن الزوجية مؤجرًا - أن توفر لصغارها من مطلقاتهن - مع حاضنتهم - مسكنًا مناسبًا خلال فترة زمنية لا تجاوز على الإطلاق عدة مطلقاتهن، وإلا ظل الصغار من دون أبيهم شاغلين مسكن الزوجية، لا يخرجون منه إلا بعد انتهاء مدة حضانتهم بأكملها؛ فإن أخراهما - التي يكون مسكنها هذا غير مؤجر - يكفيها أن توفر لصغارها مع حاضنتهم مسكنًا مناسبًا يفيئون إليه، ولو كان ذلك بعد انتهاء عدة مطلقاتهن، لا يتقيدون في ذلك بزمن معين.
وحيث إن الأصل في كل تنظيم تشريعي أن يكون منطويًا على تقسيم، أو تصنيف، أو تمييز من خلال الأعباء التي يلقيها على البعض، أو عن طريق المزايا، أو الحقوق التي يكفلها لفئة دون غيرها، إلا أن اتفاق هذا التنظيم مع أحكام الدستور، يفترض ألا تنفصل النصوص القانونية التي نظم بها المشرع موضوعًا محددًا، عن أهدافها، ليكون اتصال الأغراض التي توخاها، بالوسائل إليها، منطقيًا، وليس واهيًا أو واهنًا، بما يخل بالأسس الموضوعية التي يقوم عليها التمييز المبرر دستوريًا.
ومرد ذلك، أن المشرع لا ينظم موضوعًا معينًا تنظيمًا، مجردًا أو نظريًا، بل يتغيا بلوغ أغراض بعينها، تعكس مشروعيتها إطارًا لمصلحة عامة لها اعتبارها، يقوم عليها هذا التنظيم، متخذًا من القواعد القانونية التي أقرها، مدخلًا لها. فإذا انقطع اتصال هذه القواعد بأهدافها، كان التمييز بين المواطنين في مجال تطبيقها، تحكميًا، ومنهيًا عنه بنص المادة (40) من الدستور
وحيث إنه متى كان ذلك، وكان ما قرره النص المطعون فيه من تمييز بين فئتين من المطلقين، لا يعدو أن يكون تقسيمًا تشريعيًا لا يقيم علاقة منطقية بين الأسس التي يقوم عليها، والنتائج التي ربطها المشرع بها، بل توخى هذا التمييز - وعلى ما يبين من مضبطة الجلسة الثامنة والتسعين لمجلس الشعب المعقودة في أول يوليو 1985 - فرض قيود واقعية على الطلاق، كي لا يكون إسرافًا، فجاء بذلك نافيًا لكل علاقة مفهومة بين طبيعة الرابطة القانونية التي ارتبط بها المطلق في شأن مسكن الزوجية - إجارة كانت، أم إعارة، أم ملكًا، أم انتفاعًا، أم حق استعمال، أم غير ذلك من العلائق القانونية - وبين التزام هذا المطلق بأن يوفر لصغاره وحاضنتهم مسكنًا مناسبًا يأويهم كبديل عن مسكن الزوجية، ذلك أن حق الصغار وحاضنتهم ليس متعلقًا بعين الم كان الذى كان يظلهم مع أبو يهم قبل الطلاق؛ بل يقوم حقهم من حصرًا في مكان يهجعون إليه، يكون مناسبًا شرعًا لأمثالهم، فلا يكون إعداده مقيدًا بزمن معين. وإذ كان تنظيم الحقوق لا يجوز لغير مصلحة واضحة يقوم الدليل على اعتبارها؛ وكان غير المتصور أن يكون أمر المطلق رهقًا سواء من خلال تنظيم تشريعي جائر، أو عن طريق إساءة الصغار - أو حاضنتهم- استعمال حقهم في النفقة إضرارًا بأبيهم؛ وكان من المقرر أن مسكنًا مناسبًا يتهيأ لهم من أبيهم سواء قبل انتهاء عدة مطلقته أو بعدها، هو ما تقوم به مصلحتهم في النفقة التي لا يجوز ربطها على الإطلاق بما إذا كان مسكن الزوجية مؤجرًا أو غير مؤجر؛ إذ لا شأن لذلك بحق الصغار في نفقتهم؛ ولا هو من مقاصدها.
متى كان ما تقدم؛ وكان الآباء المطلقون -في علاقاتهم بأبنائهم - تتماثل مراكزهم القانونية فيما بين بعضهم البعض، وكان النص المطعون فيه، قد مايز بينهم - في نطاق هذه العلائق - بأن حد من حقوقهم في إعداد مكان ملائم لسكنى صغارهم إذا كان مسكن الزوجية مؤجرًا، مع بسطها إن كان غير مؤجر؛ فإن هذا التمييز لا يكون منطقيًا، قائمًا بالتالي على غير أسس موضوعية، ومنهيًا عنه دستوريًا، ذلك أن أشكال التمييز التي يناهضها مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون؛ وإن تعذر حصرها، إلا أن قوامها كل تفرقة أو تقييد، أو تفضيل، أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق التي كفلها الدستور، أو القانون، أو كلاهما، بما في ذلك تلك التي ترعى بنيان الأسرة ؛ ولا تفرقها، وتصون قيمها وترسيها على دعائم من الخلق والدين، ضمانًا لتراحمها وتناصفها.
وحيث إن النص المطعون فيه - فوق هذا - يتمحض إعناتًا بالمطلق، وتكليفًا بما لا يطاق من جهتين أولاهما: أن عموم عبارته وإطلاقها من كل قيد، وكذلك الأعمال التحضيرية التي تكشف عنها مضبطة الجلسة الثامنة والتسعين لمجلس الشعب- المعقودة في أول يوليو 1985 - تدل جميعها على أن ما توخاه المشرع بالنص المطعون فيه؛ هو أن يوفر الأب لصغاره من مطلقته، ولحاضنتهم، مسكنًا ملائمًا؛ وإلا استمروا من دونه شاغلين مسكن الزوجية، ولو كان لهؤلاء الصغار مال يكفيهم للإنفاق عليهم. فقد رفض مجلس الشعب اقتراحًا مقدمًا من أحد أعضائه مؤداه: أن تهيئة مسكن للصغار من أبيهم بعد طلاق أم هم، ينبغي أن يكون مقيدًا بألا يكون لحاضنتهم مسكن يخصها، ولا لصغاره مال ينفقون منه على سكناهم. وقيل تبريرًا لهذا الرفض، أن أباهم يقوم الآن بالإنفاق عليهم، ولو ورثوا عن بعض أقاربهم، أو تلقوا عن أم هم، ما لًا.
وإذ كان الأصل المقرر شرعًا أن مؤنة الحضانة تكون في مال المحضون؛ فإن لم يكن للمحضون مال، فعلى من تلزمه نفقته؛ وكان هذا الأصل مرددًا بنص الفقرة الأولى من المادة (18) مكررًا ثالثًا من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 - المشار إليه - التي تقضى بأنه إذا لم يكن للصغير مال فنفقته، على أبيه؛ وكان حق الصغار في الإنفاق عليهم، يتوخى إحياءهم، وليس حقًا لحاضنتهم عوضًا عن احتباسها لشئونهم؛ وكان الأصل في نفقتهم أنهم عاجزون بدونها عن تحصيل حوائجهم، وأن استيفاءهم لها بقدر كفايتهم يعد معروفًا، وأن تأسيسها على حاجتهم، يثبتها على أبيهم، حتى مع اختلافهم دينًا؛ وكان استواء آباء الصغار مع أمهاتهم في الولاد؛ لا يسقط نفقتهم عن آبائهم، بل ينفردون بها؛ إلا أن الحق في طلبها مقيد دومًا بأن يكون تحصيلها حائلًا دون هلاكهم، أو ضياعهم. ولا كذلك أن يكون للصغير فضل من مال؛ ذلك أن الإنفاق عليه من مال غيره لا يكون إلا تفضلًا، فلا تكون نفقته واجبًا على أحد، ولا يجوز طلبها بالتالي شرعًا من أبيه طلبًا لازمًا يحتم أداءها، فقد انتفى موجبها، ولم يعد اقتضاؤها ضرورة يختل بفواتها نظام الحياة.
ولئن جاز القول بأن الأبوين قد يفيضان بأموالهما على أبنائهم، صونًا لأموالهم التي بين أيديهم مما قد يبددها أو ينتقص منها، إلا أن حدبهما على أبنائهم بما فطرا عليه، لا ينقض قاعدة شرعية أو ينحيها ويُبِْدلها بغيرها، بل تظل نفقتهم في أموالهم بقدر كفايتهم.
ثانيتهما: أنه وإن كان الأصل أن سكنى الصغار - عينًا- حق، وأنها جزء من نفقتهم بمدلولها لغة وعرفًا، وكان النص المطعون فيه يكفلها للصغار من مال أبيهم، ولو كان لحاضنتهم مسكن تقيم فيه - وينقلون إليه تبعًا لها - فإنه يكون بذلك مرهقًا -ودون مقتض- من يطلقون زوجاتهم - ولو كان الطلاق لضرورة لها موردها شرعًا-؛ مفضى إلى وقوعهم كارهين في الحرج، ليكون إعناتهم منافيًا للحق والعدل، ومشقتهم بديلًا عن التيسير عليهم، ليقترن الطلاق بالبأساء والضراء التي لا مخرج منها. وما لذلك تشرع الأحكام العملية التي ينبغي أن تستقيم بها شئون العباد ومصالحهم؛ إذ لا يجوز أن يكون عبؤها فادحًا من خلال تكليفاتها، ولا مضمونها عُتُوًا مجافيًا لرحمة فتح الله تعالى أبوابها للمؤمنين، بل هونًا وقوامًا، وهو ما عبر عنه ابن عابدين في حاشيته رد المحتار على الدر المختار التي أو رد فيها أن أبا حفص حين سئل عمن لها إمساك الولد وليس لها مسكن، أفاد بأن على أبيهم سكناهما جميعًا، وهو ما يعني عند ابن عابدين أن الصغار لا يحتاجون إلى مسكن من أبيهم؛ إذا كان لحاضنتهم مسكن تقيم فيه يأويها مع المحضونين، ليكون انتقالهم معها أرفق بالجانبين، وأوفق لمصالحهم، ومن ثم ينبغي أن يكون عليه العمل.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان ما قرره أبو حفص مما تقدم - وكذلك من خَرَّج عليه - لا يعدو أن يكون اجتهادًا، وكان الاجتهاد في المسائل الخلافية ممكنًا عقلًا، ولازمًا ديانة، ومفتوحًا بالتالي، فلا يصد اجتهاد اجتهادًا، ولا يقابل اجتهاد على صعيد المسائل التي تنظم الأسرة بغيره، إلا على ضوء أوضاعها وأعرافها، وبما لا يناقض كمال الشريعة، أو يخل بروح منهاجها؛ وكان ما ذهب إليه البعض من أنه إذا اختار ولى الأمر رأيًا في المسائل الخلافية، فإنه يترجح، مردود بأن الترجيح عند الخيار بين أمرين، لا يكون إلا باتباع أيسرهما مالم يكن إثمًا، فلا يشرع ولى الأمر حكمًا يضيق على الناس، أو يرهقهم من أمرهم عسرًا، لتكون معيشتهم ضنكًا وعِوَجا، بل يتعين أن يكون بصيرًا بشئونهم بما يصلحها، فلا يظلمون شيئًا؛ وكان من المقرر أن سكنى صغار المطلق ضرورة ينبغي أن تقدر بقدرها؛ وكان ثابتًا كذلك أن من مقاصد الخلق جلب منافعهم ودفع المضار عنهم، وأن صلاحهم في تحصيل مقاصدهم، فلا يكون بعضهم على بعض عِتِيًا، ولا تكون أفعالهم ضراوة فيما بينهم؛ وكان حقًا قوله عليه السلام ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فآتوا منه ما استطعتم وكانت الحنيفية السمحة هى مدار الدعوة التي قام بتبليغها إلى الناس جميعهم وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين؛ وكان اقتضاء الصغار مسكنًا من أبيهم - مع إمكان إيوائهم في مسكن لحاضنتهم تسكنه فعلًا - مؤجرًا كان أم غير مؤجر - ليكون لهم مهادًا، ليس تعلقا بما يكون واجبًا على أبيهم، ولا اجتنابًا من جهتهم لشر يتناهون عنه، بل إعراضًا عما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون من المسامحة واللين، فقد تعين ألا يكون دينهم إرهاقًا لعلاقاتهم ببعض، ولا مقيمًا عوائق تتعقد دروبها وتنغلق مسالكهم إليها، ليكون لهم مخرجًا من حرجهم، فلا يقترن - ظلمًا أو هضمًا - بما يأتون أو يدعون مصداقًا لقوله تعالى ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج وما جعل الله عليكم في الدين من حرج يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا.
متى كان ذلك، وكان القرآن فصلًا لا هزلًا، وكان اختصاص صغار المطلق من مطلقته - مع حاضنتهم - بمسكن الزوجية مع وجود مسكن لها تقيم فيه، وهو ما يقع بوجه خاص إذا لم تكن حاضنتهم هى المطلقة نفسها، بل أمها أو أختها أو خالتها- يعنى أن حاضنتهم هذه - وقد تهيأ مسكن لها مع زوجها وأولادها أما أن تنقل هؤلاء معها إلى مسكن المحضونين نابذة مسكنها لأمر إن عقد عليه عزمها، وإما أن تتردد بين مسكنها ومسكنهم، فلا تمنحهم كل اهتمامها، ولا توفر لحضانتهم متطلباتها من التعهد والصون والتقويم، وإما أن تقيم مع محضونيها -من دون أسرتها - ليتصدع بنيانها. ولا يعدو ذلك كله أن يكون عبثًا توخى - دون مقتض - وعلى ما جاء بمضبطة مجلس الشعب - فرض قيود واقعية على الطلاق لا يجوز شرعًا.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، فقد تعين أن يكون النص المطعون فيه مقيدًا، فلا يكون مسكن الزوجية مقرًا للمحضونين؛ إذا كان لحاضنتهم مسكن يأويهم، تقيم هى فيه. وليس لازمًا أن يكون مملوكًا لها، ذلك أن حق الصغار في السكنى ينتقل من مسكن أبيهم إلى مسكن حاضنتهم، أيًا كان شكل العلاقة القانونية التي ترتبط بها في شأن هذه العين، ودون إخلال بحقها في أن تقتضى لها وللصغار أجر مسكن مناسب، باعتباره من مؤنتهم.
وحيث إن النص المطعون فيه - محددًا نطاقًا في الحدود التي خلص إليها قضاء المحكمة الدستورية العليا على النحو المتقدم - لا يعطل الحق في الطلاق، ذلك أنه كفل لصغار المطلق - وحاضنتهم - حقوقًا تقتضيها الضرورة، وبقدرها، لتكون نفقتهم كافلة لمقوماتها؛ لا تنتقص من مشتملاتها، ولا يكون جريان آثارها وإنفاذ الحقوق المتعلقة بها متراخيًا. ووقوعها في الحدود التي يقتضيها الشرع، ينفى تعويقها الطلاق، أو إهدارها الحق فيه، لأمرين، أولهما: أن الأصل في الحقوق التي يأذن المشرع بممارستها، أو يبين أسسها؛ أنها تتكامل فيما بينها ولا تتآكل، بل تعمل جميعها في إطار وحدة عضوية تتلاقى توجهاتها، وتتوافق مصالحها. ثانيهما: أن الطلاق كان دائمًا ملاذًا نهائيًا للرجل، ولا يلجأ إليه إلا باعتباره بابًا للرحمة في مجال علاقة زوجية غدا صدعها غائرًا عميقًا.
ولم يكن مطلقًا بغيًا من الرجل على المرأة لقوله تعالى فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا فلا يكون الفراق بين الزوجين ظلمًا أو حمقًا، بل معروفًا وانتصافًا لا ينال من الحقوق التي جر إليها ولا يسقط عن المطلق تبعاتها. وتلك هى الشريعة الإسلامية، قوامها العدل والرحمة، وجوهرها دعوة إلى البر والإحسان لا تتناهى. ومما يناقض وسطيتها أن يكون الصغار ضحايا لنزق آبائهم، يمنعونهم ما يستحقون.
وحيث إن ما قرره المدعى من أن المطلق - إذا ما كان مالكًا قانونًا لمسكن الزوجية - فإن اختصاص صغاره من مطلقته بهذا المسكن من دونه، إنما يجرد ملكيته من بعض عناصرها، إخلالًا بالحماية التي كفلها الدستور لها بالمادة (34)، مردود بأن الملكية في إطار النظم الوضعية التي تزاوج بين الفردية وتدخل الدولة، لم تعد حقًا مطلقًا، ولا هى عصية على التنظيم التشريعي. وليس لها من الحماية ما يجاوز الانتفاع المشروع بعناصرها. ومن ثم ساغ تحميلها بالقيود التي تتطلبها وظيفتها الاجتماعية، وهى وظيفة لا يتحدد نطاقها من فراغ، ولا تفرض نفسها تحكمًا، بل تمليها طبيعة الأموال محل الملكية، والأغراض التي ينبغي رصدها عليها، محددة على ضوء واقع اجتماعي معين، في بيئة بذاتها لها توجهاتها ومقوماتها.
وفى إطار هذه الدائرة، وتقيدًا بتخومها، يفاضل المشرع بين البدائل، ويرجح على ضوء الموازنة التي يجريها، ما يراه من الصالح أجدر بالحماية، وأولى بالرعاية وفقًا لأحكام الدستور، مستهديًا في ذلك بوجه خاص بالقيم التي تنحاز إليها الجماعة في مرحلة بذاتها من مراحل تطورها، وبمراعاة أن القيود التي يفرضها الدستور على حق الملكية للحد من إطلاقها، لا تعتبر مقصودة بذاتها، بل غايتها خير الفرد والجماعة.
ولا تعارض الشريعة الإسلامية في مبادئها الكلية ما تقدم. ذلك أن الأصل فيها أن الأموال جميعها مردها إلى الله تعالى، أنشأها وبسطها، وإليه معادها ومرجعها، مستخلفًا فيها عباده الذين عهد إليهم بعمارة الأرض، وجعلهم مسئولين عما في أيديهم من الأموال لا يبددونها أو يستخدمونها إضرارًا. يقول تعالى وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه. وليس ذلك إلا نهيًا عن الولوغ بها في الباطل. وتكليفًا لولى الأمر بأن يعمل على تنظيمها بما يحقق المقاصد الشرعية المتوخاة منها، وهى مقاصد ينافيها أن يكون إنفاق الأموال وإدارتها عبثًا أو إسرافًا أو عدوانًا، أو متخذًا طرائق تناقض مصالح الجماعة أو تخل بحقوق للغير أولى بالاعتبار. وكان لولى الأمر بالتالي أن يعمل على دفع الضرر قدر الإمكان، وأن يحول دون الإضرار إذا كان ثأرًا محضًا يزيد من الضرر ولا يفيد إلا في توسيع الدائرة التي يمتد إليها، وأن يرد كذلك الضرر البين الفاحش.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان اختصاص صغار المطلق بمسكن الزوجية، مقيدًا بتراخيه في أن يوفر لهم مسكنًا مناسبًا يكون بديلًا عنه، فإن استقلالهم به يغدو متصلًا بنفقتهم، مترتبًا على الإخلال بإيفائها، بعد أن غض أبو هم بصره عن إحياء صغاره، ليكون استمرارهم في شغل مسكن الزوجية، عائدًا في مصدره المباشر إلى نص القانون، وعلى ضوء الموازنة التي أجراها المشرع بين مصلحة المطلق في أن يظل مقيمًا بهذا المسكن من دون صغاره، ومصلحتهم في البقاء فيه من دونه، مرجحًا- في نطاق سلطته التقديرية في مجال تنظيم الحقوق- ثانيتهما، باعتبار أن تفويتها يلحق بصغاره مضارًا لاحد لها، ولأن الأضرار حين تتزاحم، فإن اختيار أهونها دفعًا لأعظمها خطرًا وأفدحها أثرًا، يكون لازمًا، وواقعًا فيه نطاق الوظيفة الاجتماعية للملكية، التي يحدد ولى الأمر إطارها وتوجهاتها.
وحيث إن إعمال الفقرة الثالثة من النص المطعون فيه - محدد إطاره على ضوء قضاء المحكمة الدستورية العليا - يفترض أن المطلق قد تراخى عن أن يعد مسكنًا مناسبا لصغاره من مطلقته، رغم قيام الدليل على أنهم لا يملكون ما لًا حاضرًا يدبرون منه سكناهم، وليس لحاضنتهم مسكن تقيم فيه ويأويهم تبعًا لها -فإن اختصاصهم -من دون أبيهم - بمسكن الزوجية، يكون لازمًا.
وحيث إن البين من الأعمال التحضيرية لهذه الفقرة - حسبما تضمنتها مضبطة الجلسة الثامنة والتسعين لمجلس الشعب المعقودة في أول يوليو سنة 1985 - أن حكمها لم يكن واردًا في مشروع القانون المعروض بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية، وإنما اقترحها أحد أعضاء هذا المجلس تخييرًا للحاضنة بين الاستقلال مع الصغار بمسكن الزوجية، وبين أن يقدر القاضي لها وللمحضونين أجر مسكن مناسب؛ وكان ذلك من المشرع بحسبان أنها قد تؤثر الانتقال مع الصغار إلى ذويها طلبًا لملاذهم وعونهم، وقد يكون لها مسكنها ويريحها أن تظل فيه، بافتراض أن انتقالها منه إلى مسكن الزوجية قد يؤذيها أو يرهقها، وقد يروعها - بما يقوض سكينتها وصفاء نفسها- فيما إذا كان أهل المطلق أولو بأس شديد،، فلا تخلص - إزاء اضطرابها- لمحضونيها، ولا تمنحهم من اهتمامها ما يستحقون، ولا تعُِينهم على قضاء حوائجهم بما يكفيها؛ فإن اختيارها أحد هذين البديلين - مسكن الزوجية أو أجر مسكن مناسب للمحضونين ولها -لا يكون مناقضًا أحكام الدستور - ومن بينها مادته الثانية - باعتباره مقررًا لمصلحه لها اعتبارها، وإهمالها يلحق الضرر بها وبمحضونيها.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية المادة (18) مكررًا ثالثًا - المضافة بالقانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية إلى المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية، وذلك فيما نصت عليه وتضمنته من: -
أولًا: إلزامها المطلق بتهيئة مسكن مناسب لصغاره من مطلقته وحاضنتهم ولو كان لهم مال حاضر يكفى لسكناهم، أو كان لحاضنتهم مسكن تقيم فيه، مؤجرًا كان أم غير مؤجر.
ثانيًا: تقييدها حق المطلق - إذا كان مسكن الزوجية مؤجرًا - بأن يكون إعداده مسكنًا مناسبًا لصغاره من مطلقته وحاضنتهم، واقعًا خلال فتره زمنيه لا يتعداها، نهايتها عدة مطلقته.
وألزمت الحكومة المصروفات ومائة جنية مقابل أتعاب المحاماة.
لتحميل ملف الحكم (هنا)
* حكم منشور عبر هذا الرابط: https://mksegypt.org/ar/supreme-constitutional-court-rulings/15491
صدر قانون الأحوال الشخصية الجعفرية الكويتي رقم (124) لسنة 2019 بتاريخ 18 ذي الحجة 1440 هـ (الموافق 19 أغسطس 2019 م)، ونُشر في الجريدة الرسمية «الكويت اليوم» بتاريخ 24 ذو الحجة 1440 هـ (الموافق 25 أغسطس 2019 م)؛ وذلك لتأطير أحكام الأسرة والمواريث والأوقاف للمواطنين الكويتيين من أتباع المذهب الجعفري.
وتتوزع محتويات القانون على 510 مواد مقسمة وفق الهيكلية الآتية: أحكام الإصدار والقواعد العامة، كتاب الزواج، كتاب الطلاق، كتاب المواليد والنسب والحضانة، كتاب الوصية والوقف، وكتاب المواريث والأحكام الختامية.
لتحميل ملف القانون (هنا)
تُعد مدونة الأوقاف المغربية، الصادرة بموجب الظهير الشريف رقم 1.10.15 بتاريخ 8 ربيع الأول 1431هـ (23 فبراير 2010م)، الإطار التشريعي الأساس المنظم لمجال الأوقاف في المملكة المغربية. ويهدف هذا التقنين، بحسب الديباجة الرسمية، إلى تجميع القواعد والأحكام الفقهية المتعلقة بالوقف التي كانت متفرقة في مصادر متعددة، وذلك لمنع تعدد الآراء الفقهية واختلاف التأويلات حولها، وتحقيق الملاءمة والانسجام مع المنظومة القانونية العامة. كما ترمي نصوص المدونة إلى إرساء آليات ونظم تدبيرية تهدف لتيسير إدارة الأملاك الوقفية واستغلالها واستثمارها، بما يضمن استقلالية الوقف وحمايته القانونية، ويمكّنه من المساهمة في المشاريع التنموية الاقتصادية والاجتماعية، مع مراعاة خصوصيته المستمدة من أحكام الفقه الإسلامي.
الباب التمهيدي: أحكام عامة
تنطلق وثيقة المدونة بالباب التمهيدي الذي يضع القواعد العامة المؤطرة للوقف بالمملكة المغربية، حيث تعرف الوقف بأنه كل مال حبس أصله بصفة مؤبدة أو مؤقتة، وخصصت منفعته لفائدة جهة بر وإحسان عامة أو خاصة. وتشير وثيقة المدونة إلى أن الوقف ينشأ إما بعقد، أو ببينة، أو بقوة القانون، وهو ينقسم إلى وقف عام، أو معقب، أو مشترك. كما يقرر هذا الباب صراحة أن النظر في شؤون الأوقاف العامة يعتبر من صلاحيات أمير المؤمنين، وتباشر هذه المهمة تحت سلطته المباشرة من طرف وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في إطار التقيد بأحكام هذه المدونة والنصوص المتخذة لتطبيقها.
الباب الأول: إنشاء الوقف وآثاره
يتناول الفصل الأول من هذا الباب أركان الوقف وشروطه، حيث ينص على أن أركان الوقف أربعة وهي الواقف، والموقوف عليه، والمال الموقوف، والصيغة. ويشترط في الواقف أن يكون شخصًا ذاتيًا أو اعتباريًا، مالكًا للمال الموقوف ملكًا صحيحًا، ومتمتعًا بأهلية التبرع ومطلق التصرف، وإلا كان عقد الوقف باطلًا. وتأخذ الصيغة حكم مدونة الأسرة في اللزوم، ويصح إنشاؤها بكل ما يفيد معنى الوقف من قول أو كتابة أو إشارة مفهومة أو فعل دال عليه. ويشترط لصحة الوقف الإشهاد عليه وحوز المال الموقوف قبل حصول المانع للواقف كالموت أو الإفلاس. ويتم الحوز برفع يد الواقف عن المال ووضعه تحت يد الموقوف عليه، ويحصل بمعاينة البينة أو بتسجيل الوقف في المحافظة العقارية. كما تسري أحكام لزوم الوقف وحالات بطلان وقف الفضولي أو الوقف المستغرق بالدين وقت التحجير.
وفي الفصل الثاني المخصص لآثار عقد الوقف، توضح المدونة وجوب التقيد بشروط الواقف والوفاء بها إذا كانت مشروعة وقابلة للتنفيذ، وفي حال اقترن الوقف بشرط غير مشروع يبطل الشرط ويصح الوقف. وتقرر المدونة عدم جواز رجوع الواقف في وقفه أو تغيير شروطه بعد انعقاده، باستثناء حالتين محددتين؛ وهما: إذا تعلق الوقف بموقوف عليه سيوجد مستقبلًا وفات الواقف قبل وجوده، أو إذا اشترط الواقف في عقد الوقف الرجوع عنه عند افتقاره. ويحق للموقوف عليه استعمال المال الموقوف واستغلاله وفق شرط الواقف بما يتوافق مع الأغراض المتوخاة، ويلتزم ببذل العناية اللازمة لحفظه ويتحمل مسؤولية الأضرار الناتجة عن تقصيره أو إهماله. وينتهي حق الموقوف عليه بوفاته، أو غيبته غيبة انقطاع إذا كان الانتفاع مقصورًا عليه، أو بزوال الصفة التي استحق بها الوقف، أو بالتنازل الصريح.
الباب الثاني: الوقف العام
يحدد الفصل الأول من الباب الثاني أحكام الوقف العام، مبينًا أنه كل وقف خصصت منفعته ابتداءً أو مآلًا لوجوه البر والإحسان وتحقيق منفعة عامة. وتعتبر وقفًا عامًا بقوة القانون جميع المساجد والزوايا والأضرحة والمقابر الإسلامية وملاحقاتها والأملاك الموقوفة عليها. ويتمتع الوقف العام بالشخصية الاعتبارية وتتولى إدارة الأوقاف تدبير شؤونه وتمثيله قانونًا. ويترتب على كسب المال لصفة الوقف العام عدم جواز حجزه أو كسبه بالحيازة أو التقادم، وعدم جواز التصرف فيه إلا وفق الأحكام المحددة في المدونة.
وينظم الفصل الثاني التصرفات الجارية على أموال الوقف العام، لاسيما المعاوضات النقدية والعينية التي تهدف إلى حفظ الوقف وتنمية مداخيله. وتخضع المعاوضات النقدية للموافقة السامية إذا زادت قيمتها التقديرية عن عشرة ملايين درهم، أو لموافقة المجلس الأعلى لمراقبة مالية الأوقاف العامة إذا كانت تتراوح بين خمسة وعشرة ملايين درهم، ولموافقة السلطة الحكومية المكلفة بالأوقاف إذا كانت تقل عن خمسة ملايين درهم. وتحدد القيمة التقديرية من طرف لجنة خبراء ثلاثية. وتخضع المعاوضات العينية لشرط أن تكون العين المعاوض بها محفظة وتساوي أو تفوق القيمة التقديرية للعين الموقوفة. كما يضبط هذا الباب بيع منتوج الأشجار والغلل ومواد المقالع عن طريق السمسرة أو طلب العروض، وينظم أحكام الكراء حيث لا تزيد مدة كراء الأملاك غير الفلاحية عن ثلاث سنوات قابلة للتجديد بزيادة لا تقل عن عشرة في المائة، ولا تزيد مدة كراء الأملاك الفلاحية عن ست سنوات قابلة للتجديد بزيادة لا تقل عن عشرين في المائة. ويمنع إنشاء حقوق عرفية جديدة كالجلسة والزينة والجزاء والمفتاح على أملاك الأوقاف العامة، ويقرر طرق تصفية الحقوق القائمة منها.
الباب الثالث: الوقف المعقب والمشترك
يركز الفصل الأول من الباب الثالث على الوقف المعقب، وهو الوقف المحبس على ولد الواقف أو عقبه أو نسله أو ذريته. وتمنع المدونة إنشاء الوقف المعقب إلا في حدود ثلاث طبقات فقط، وإذا شمل العقد أكثر من ذلك يبطل الوقف فيما زاد عنها. ويرجع الوقف المعقب بعد انقراض الموقوف عليهم إرثًا إلى ورثة الواقف إن وجدوا، وإلا يؤول إلى الأوقاف العامة. ويوضع الوقف المعقب تحت مراقبة إدارة الأوقاف ويتولى تسييره ناظر يعينه الواقف أو السلطة الحكومية المكلفة بالأوقاف بعد استشارة الموقوف عليهم. وتتم تصفية الأوقاف المعقبة بقوة القانون في حالات انقطاع نفع المال أو قلته بكيفية كبيرة، أو تعذر الانتفاع به، أو إذا صار عائده لا يغطي مصاريفه، أو إذا كثر المستفيدون وقل نصيب كل واحد منهم.
ويخصص الفصل الثاني للوقف المشترك، وهو ما وقف ابتداءً على جهة عامة وعلى شخص ذاتي بعينه أو على عقبه. ويخضع الوقف المشترك لنفس الأحكام المطبقة على أموال الوقف العام وتتولى إدارة الأوقاف تدبيره، ويقسم عائده بين الجهة العامة وباقي المستحقين بحسب الحصص المعينة من الواقف، وتسري الأحكام الخاصة بتصفية الأوقاف المعقبة على الحصة المخصصة للعقب في الوقف المشترك.
الباب الرابع: تنظيم مالية الأوقاف العامة ومراقبتها
يفصل الفصل الأول من الباب الرابع مبادئ التنظيم المالي والمحاسبي للأوقاف العامة، مقررًا أن لمجموع الأوقاف العامة ذمة مالية واحدة مستقلة تشتمل على جميع الأموال الموقوفة وعوائدها ومختلف مواردها. ويوضع للأوقاف ميزانية سنوية مستقلة عن ميزانية الدولة تقوم على أساس التوازن المالي، وتتكون من باب الموارد وباب النفقات، وينقسم كل منهما إلى قسم خاص بالتسيير وقسم خاص بالاستثمار، بالإضافة إلى حسابات خصوصية لبعض المشاريع الوقفية المحددة. ويعتبر وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية هو الآمر بالقبض والصرف لهذه الميزانية.
ويفرد الفصل الثاني من هذا الباب قواعد مراقبة مالية الأوقاف العامة، حيث تخضع العمليات المالية لمراقبة خاصة تهدف إلى التأكد من سلامتها ومطابقتها للنصوص الجاري بها العمل. ويقوم بهذه المراقبة مراقب مالي مركزي على مستوى الإدارة المركزية، بمساعدة مراقبين ماليين، بالإضافة إلى مراقبين محليين على مستوى النظارات. ويحدث بجانب جلالة الملك مجلس يسمى "المجلس الأعلى لمراقبة مالية الأوقاف العامة" يتولى مراقبة مالية الأوقاف ودراسة القضايا المتعلقة بها واقتراح إجراءات تحسين تدبيرها وإعداد تقرير سنوي يرفع للملك. ويترأس هذا المجلس شخصية يعينها الملك، ويتألف من كاتب عام وممثلين عن المجلس العلمي الأعلى ومستشارين قانونيين وخبراء محاسبين.
الباب الخامس: أحكام انتقالية وختامية
تختتم وثيقة المدونة أبوابها بالأحكام الانتقالية والختامية التي تحدد تاريخ دخول أحكام هذه المدونة حيز التنفيذ، وتنسخ القوانين والظهائر السابقة المتعارضة معها. وتؤكد المدونة في مادتها 169 أنه في كل ما لم يرد فيه نص خاص في هذه المدونة، يتعين الرجوع فيه إلى أحكام المذهب المالكي والاجتهاد الذي يراعي تحقيق مصلحة الوقف وضمان حمايته وتنميته.
لتحميل ملف المدونة (هنا)